كتبت صحيفة "الجمهوريّة":
يخرج زوّار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في هذه الأيّام بانطباع مفاده أنّ الرجل "يسير بين النقاط"، ويريد أن تتوافر المعالجات للملفّات والاستحقاقات الداهمة على قاعدة "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم".
وينقل هؤلاء عن ميقاتي أنّ لديه "آلية معيّنة" سيعمل على تسويقها من أجل إيجاد مخرج لملفّ تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. في موازاة معالجة موضوع تصحيح الاجور يهدّد بشل البلاد باضرابات عمّالية يمكن ان تكون قاسية هذه المرّة في اعتبار انّ ايّ زيادة للاجور لم تتمّ منذ العام 1996، إن لم يكن قبل هذا التاريخ ايضاً.
وعلمت "الجمهورية" انّ الايام والاسابيع المقبلة ستشهد حركة نشطة في مختلف الاتّجاهات من اجل ايجاد حلّ لتمويل المحكمة يرضي الجميع، في ظلّ اقتناع لدى الافرقاء المعنيين به وغير المعنيّين، إنّ لبنان لا يستطيع تجاهل هذا الملفّ لأنه قد يضعه في مواجهة مع المجتمع الدولي من شأنها ان تزيد الطين بلّة، في ظل القلق الذي يعتري اللبنانيّين إزاء التطوّرات التي تشهدها الساحة العربية عموما، وسوريا اللصيقة جغرافيّا وسياسيّا وأمنيّا بلبنان خصوصا.
ويكشف مصدر سياسيّ واسع الاطّلاع لـ"الجمهورية" انّ المعنيّين يتعاطون مع ملفّ تمويل المحكمة على اساس "لا حول ولا قوّة". إذ إنّ ميقاتي تلقّى تلميحات غربيّة ودوليّة بأنّ ثروته الشخصيّة ستكون على المحكّ، في حال أخلّت حكومته بالتزامات لبنان الدولية وفي مقدّمها التزام تمويل المحكمة.
ويلفت المصدر الى انّ ميقاتي ابلغ الى "حزب الله" المعارض للمحكمة، انّه يريد ان يتمّ إقرار هذا التمويل، وإلّا فأنّه سيكون مضطرّا الى الاستقالة. ولكن الحزب لا يريد له مثل هذه الاستقالة، ويفضّل بقاء الحكومة "على علاّتها" لأنّ هناك استحالة في تأليف حكومة جديدة، إذ ليس هناك ما يضمن انّ الاكثرية التي انتجت الحكومة الميقاتية ستبقى، في ظلّ ترجرج مواقف بعض أطرافها بما يوحي انّ هؤلاء قد يغيّرون خياراتهم واصطفافاتهم الراهنة وينتقلون الى "الضفّة الأخرى".
ولذا، يضيف المصدر، فإنّ تفاهما حصل بين ميقاتي وحزب الله، وقد بدأ التفتيش عن صيغة يتمّ بموجبها تمويل المحكمة من خارج مؤسّستي مجلس الوزراء ومجلس النوّاب، وهي صيغة لا تحرج ميقاتي لتخرجه، وكذلك لا تحرج الحزب وبقيّة الأفرقاء السياسيّين المشاركين في الحكومة وتخرجهم الى الاعتراف بشرعية المحكمة. ومن الصيغ المطروحة أن يتمّ التمويل بموجب مرسوم يوقّعه رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة ووزراء العدل والمال والخارجيّة. ولكن هذه الصيغة تواجه عقبة تتمثل في انّ وزير الخارجية عدنان منصور ووزير العدل شكيب قرطباوي، بما يمثّلان من خط سياسيّ يعارض المحكمة، قد لا يوقّعان هذا المرسوم، على رغم انّ توقيعهما يفرضه الاتّفاق المعقود بين لبنان والامم المتّحدة. وفي ضوء هذه العقبة فإنّ المخرج قد يكون، حسب معلومات المصدر نفسه، في ان يتمّ التمويل على قاعدة الاتّفاق النافذ بين لبنان والأمم المتّحدة والبروتوكول الموقّع بينه وبين المحكمة المنشأة بقرار اتّخذه مجلس الامن الدولي تحت الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدوليّة، وفي هذه الحال لا تعود هناك حاجة الى توقيع وزيري العدل والخارجية، ولكن مَن سيحوّل المال في النهاية الى المحكمة سيكون وزارة الخارجية، وفي هذه الحال سيتمّ تمويل المحكمة في اضعف صيغة لا تورّط "حزب الله" وعون في الاعتراف بشرعيتها، ويكون الامر بمثابة "قَبِّة باط" من دون توقيع.
وإذ يعتبر المصدر انّ التمويل بات شبه محسوم، يشير الى أنّ المشكلة حول المحكمة ستتجدد في آذار المقبل عندما سيستحقّ موعد تجديد عملها في ظلّ رغبة المعارضين لها بإلغاء البروتوكول المعقود في شأنها بين لبنان والامم المتّحدة. ما يعني انّ ميقاتي سيواجه حراجة جديدة بين فريق يؤيّد تجديد هذا البروتوكول، وهو موجود داخل الحكومة ويتوسّع ليشمل فريق المعارضة برُمّته، وآخر يعارض هذا التجديد، وهو موجود ايضا بفريق واسع داخل الحكومة ويتوسّع ليشمل قوى خارجها.
وغالب الظنّ انّ صيَغا عدّة ستطرح لإمرار هذا الاستحقاق، ولكن لا يمكن التكهّن منذ الآن بما ستكون عليه الأوضاع الداخلية وعلى المستوى الاقليمي، وهل ستكون هذه الاوضاع عنصرا مساعدا على تجديد البروتوكول ام معرقلا او معطلا له، خصوصا أنّ جميع القوى السياسية تراهن، كلّ على طريقتها، على ان تأتي التطورات الاقليمية منسجمة مع خياراتها السياسية.
ولعلّ الرهان الذي يحوز على اهتمامات الجميع يتعلق بما سيكون عليه الوضع السوريّ في ذلك "الآذار" المقبل. وفي هذا الصدد يقول المصدر السياسي نفسه، إنّه "طالما لم تحصل حالة تفكّك في صفوف الجيش السوري، فإنّ أيّ رهان او بحث في سقوط نظام الرئيس بشّار الاسد سابق لأوانه". ويضيف: "في المدى المنظور، وعلى الاقلّ في الأشهر السبعة المقبلة، لن يكون هناك شيء اسمه سقوط النظام السوريّ، وتاليا لا يمكن الجزم بما سيكون عليه الوضع السوري بعد انقضاء هذه الاشهر السبعة، ولكن ما هو مؤكّد انّ سوريا، حتى ولو نجا نظامها من السقوط، لن تعود كما كانت قبلا، أمّا كيف سيكون شكلها المقبل فإنّه رهن بالتطورات الداخلية والخارجية المرتقبة".
وفي هذه الحال، يضيف المصدر "إنّ على اللبنانيّين بقواهم السياسية ان لا يتدخّلوا في الشؤون السوريّة، وأصلاً ليس لديهم القدرة على التدخل في شكل مؤثّر، بل لا مصلحة لهم في ذلك، فسوريا تدخّلت تاريخيا في لبنان على اساس انّ مؤامرات كانت تُحاك ضدّها فيه، أمّا اللبنانيّون فلا مصلحة لهم، سواء سقط النظام أم لم يسقط، في أن يُقال لهم إنّكم تدخّلتم في الشأن السوريّ. ومصلحة لبنان الفعلية هي ان يُسجّل على سوريا أنّه لم يتدخّل في شؤونها حتى يحول دون أيّ تدخّل لها في شؤونه مستقبلاً.