«الحج هذا العام سيكون مختلفاً عما سبق، بسبب صحوة الشعوب الإسلامية التي ستنتقل قريباً إلى الدول المستكبرة»، هذا الكلام للرئيس الإيراني أحمدي نجاد، الذي أطلق العام الماضي نفس التهديد، عسى أن يجعله الله في هذه الأشهر الحرم المباركة «تهديده الأخير»، وشدّد نجاد على ما وصفه بـ»الاستفادة من الإمكانات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يوفرها موسم الحج الإبراهيمي خدمة لحجاج بيت الله الحرام»، مع أن الحجّ ركن عبادة لا مكان فيه لنشاطات أحمدي نجاد التي يوسوس بها الشيطان ليفسد على الحاجّ حجّه، ليست المرّة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يكون فيها البيت الحرام ومكّة المكرّمة وموسم الحجّ هدفاً لشنائع صنائع من لا يخشون الله ويرمون قرآنه الكريم ونواهيه وراء ظهورهم، قال تعالى: }الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ{ [البقرة /197]، وصدق الله العظيم، وكذب أحمدي نجاد.
وقال تعالى: }فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا{ [آل عمران/97] وقال تعالى: }وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً{ [البقرة/125، وصدق الله العظيم وكذب أحمدي نجاد… هذا الاستهداف للحجّ والحجيج كلّ عام بتصريحات إيرانيّة مهدّدة بتعكير صفو تأدية عباد الله لركن عزيز من عبادتهم، يثير في المسلمين مشاعر الغضب والتساؤل، ما الذي يغري المسؤولين الإيرانيين في إظهار أنفسهم على هذه الصورة المؤذية والتي تُعيد إلى ذاكرة المسلمين ما فعله «أبو طاهر القرمطي» ـ لعنه الله ـ بمكّة وحجّاجها وما أنزل بالكعبة الشريفة من هتك لحرمتها، فبماذا يستحلّون البلد الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام، ويؤذون ضيوف الله الرحمن في بيته الآمن؟!
لما فتح الله على نبيه مكة عليه الصلاة والسلام، خطب الناس وقال:»إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، ولم يحرمه الناس، وإن الله جل وعلا لم يحلّه لي إلا ساعة من نهار، وقد عادت حرمته اليوم كحرمته بالأمس، فليبلغ منكم الشاهد الغائب» [ رواه البخاري في (العلم) باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب برقم 104، ومسلم في (الحج) باب تحريم مكة وصيدها برقم 1354]، وقال صلوات الله عليه: «إنه لا يحل لأحد أن يسفك فيه دماً، أو يعضد فيه شجرة، ولا ينفر صيده، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد» أي معرف [رواه البخاري في (الجزية) باب إثم الغادر للبر والفاجر برقم 3189، ومسلم في (الحج) باب تحريم مكة وصيدها برقم 1353]، وصدق رسول الله صلوات الله عليه، وكذب أحمدي نجاد.
ولنسلّم جدلاً بأن أحمدي نجاد لا يعتبر بصدق صحيحي البخاري ومسلم، فما قوله في ما رويَ « عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن ضيف الله عز وجل رجل حج واعتمر فهو ضيف الله حتى يرجع إلى منزله، ورجل كان في صلاته فهو في كنف الله حتى ينصرف. ورجل زار أخاه المؤمن في الله عز وجل فهو زائر الله في عاجل ثوابه وخزائن رحمته» [الخصال- الشيخ الصدوق (علي بن بابويه القمي، ت 329 هـ ) ص 127] .
في سنة 317 فعل أبو طاهر ما هو أشنع وأدهى وذلك أنه سار بجنده إلى مكة فوافاها يوم التروية، بل نهب هو وأصحابه أموال الحجاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه وقلع الحجر الأسود وأنفذه إلى هجر فخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم فقاتلوه فقتلهم أجمعين وقلع باب البيت وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا بغير غسل ولا كفن ولا صلى على أحد منهم وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه ونهب دور أهل مكة، تمكن القرامطة من قلع الحجر الأسود وعندما استولوا عليه كسروه وأخذوه وظل بعيداً عن مكة 22 سنة وقالوا: «لم ترمينا طير أبابيل ولا حجارة السجيل «راجع [ابن كثير الكتاب الحادي عشر ص161] ولم يحج أحد منذ سنة سبع عشرة وثلاثمائة إلى سنة ست وعشرين وثلاثمائة خوفاً من القرامطة>»!!
لا المملكة العربية السعودية ضعيفة كالدولة العباسية الممزقّة، ولا تهديدات أحمدي نجاد المغلّفة بنشاطات إفساد العبادة وركن الحجّ، ولا ما يحدث في العالم العربي «صحوة إسلاميّة» على الطريقة الإيرانيّة، وتكاد آخر قلاع إيران في الشرق الأسود تتهاوى على رؤوس حكّامها بظلمهم وإجرامهم، وتكاد آخر أذرع اخطبوطها تتقطع إلى غير رجعة، لو يتحدّث أحمدي نجاد عن أكبر فضيحة مالية في تاريخ إيران بدلاً من تهديد المسلمين في حرم الله الآمن!