لا 14 ولكنْ لا 8 كذلك
من السهل إقامة البرهان على أن 14 آذار تتصدّع. وحركة وليد جنبلاط، بل حركاته، تنطوي على إشارات ودلائل. ذاك ان ساحر السياسة اللبنانيّة ربّما بات اليوم يبحث عن خلطة أخرى بحيث تتولّى الكيمياء الغرائبيّة مزج الدخان والبخار والسموم والبخور. لكن جنبلاط حين يباشر المغادرة، عبر بوابتي العروبة وفلسطين، يكون يعرف أنه يغادر الى لا مكان، وان الساحر يسحر نفسه في زمن رماديّ. ففلسطين والعروبة هيّنتان على القول، لا تكلّفان قائلهما شيئاً. والزعيم الدرزيّ يؤثر الأقوال الهيّنة في الأزمنة الصعبة. ولا بأس حتى بحديث في البيئة ونظافة المدن وأبراجها، ما دام لكلّ مقام مقال معاكس.
ما ليس سهلاً ان يقام عليه البرهان، وإن كان لا يقلّ صحّة، ان 8 آذار، أيضاً، تتصدّع. فإذا كانت الهزائم تنخر الأولى فالانتصارات سوف تنخر الثانية.
ولنبدأ من حيث يُبدأ: فقد نشأت 8 آذار بوصفها ردّاً على الحركة الاستقلاليّة اللبنانيّة. وطالما ان الحركة هذه انتكست، لا بدّ أن ينتكس نفيها ونقيضها. ما يحسم في ذلك أن 8 آذار (ناقص ميشال عون) امتداد لتقليد في لبنان لا يملك مقوّمات الهيمنة ولا يبني سلطة، بل يعطّل السلطة وينفيها. وهو ما كنّا رأيناه، على تفاوت، في 1958 و1975 وصولاً الى 1982 ثم في حروب الثمانينات على أنواعها.
وأصحاب التقليد هذا حين ينتصرون يجدون أنفسهم أمام خيارين: إمّا إيكال البلد الى الخارج «الشقيق»، ما يلغي وجودهم كطرف داخليّ قائد، وإمّا تولّي الأمر والصدام مباشرة مع «العدوّ»، وحينذاك لا يُلغى وجودهم فحسب كطرف داخليّ، بل يُلغى الداخل نفسه وتشيع «الساحة»، نظريةً وواقعاً، على نحو مطلق.
بيد ان ثمّة احتمالات أخرى لا تشذّ عن النسق العام بل تكشف غناه وتنوّعه. فهناك مثلاً «سيندروم كمال جنبلاط»، إذ بعد حرب السنتين وتحقيق المقاومة الفلسطينيّة و «الحركة الوطنيّة اللبنانيّة» نصرهما على أحزاب «الجبهة اللبنانيّة»، تضاربت حسابات المنتصر وحسابات الخارج «الشقيق»، وكانت الجريمة التي شهدتها دير دوريت غير ممهورة بتوقيع «العدوّ». وهناك حكمة البطّيخ حيث القشرة خضراء والمضمون أحمر وفي التضاعيف بزر أسود كثيف، بحيث تتقدّم المقاومة بهدف التصدّي لـ «الخروق» الاسرائيليّة في الجنوب، فيما تتقدّم القوّات السوريّة «لضبط الأمن» في طرابلس. وهناك سيناريو شهرزاد، وبموجبه تدخل قوى 8 آذار طوراً ينبغي معه تأليف قصّة ممتعة لكلّ ليلة رفعاً للسيف عن الرقاب.
وعموماً يجوز القول إن حال التسوية السوريّة – الاسرائيليّة تشكّك في بقاء المقاومة، ومن ثم 8 آذار. أما حال الحرب الاسرائيليّة على سوريّة أو «حزب الله» أو كليهما فتشكّك في بقاء لبنان بآذاريه. وهو قد يفتتح حقبة جديدة من طبيعة جيولوجيّة.
وهذا، في آخر الأمر، منطقيّ. فروح 8 آذار الاندراج في المنطقة، وترجمتها استدعاء ما تبقّى من حروب تلك المنطقة البائسة وإدارة الحياة «السياسيّة» من حولها وحول الخارج. هكذا يتولّى الخارج، في هذه الصورة أو تلك، قضم الداخل، وتكون 8 آذار قد أنجزت مهمّتها بأن اختفت. والمرء قد يحقّ له أن ينتحر، وأن يفعل هذا طوعاً وبحماسة إذا شاء. ما ليس من حقّه أن ينحر غيره من دون أن يستشيره في أمر حياته وموته.