#dfp #adsense

الرئيس… الرمز والطريق

حجم الخط

كتب العميد الركن المتقاعد والوزير السابق فرنسوا جنادري في “المسيرة” – العدد 1735

هو من كان على رأس الجماعة و»خير مرشد وموجّه ودليل وعلم وقدوة حسنة ونقطة اعتلام بارزة».

الرئيس إذن هو الرأس لأنه بالنسبة الى مرؤوسيه في منزلة الرأس من الجسم البشري، أي العضو الذي تولد فيه الفكرة، وتنطلق منه الحركة. فهو الذي يفكر ويقرّر وهو المتحلّي بالمعرفة، أي القادر على إدراك عاقبة ما هو فاعل، وتقدير نتائجه. وکجهاز توجيه نقیم فاصلاً بينه وبين تنفيذ هو محركه ورقيب عليه

وبذلك يجد الرئيس نفسه حيال نشاط مرؤوسيه، أمام وضع مثلث:

فهو ينبوع أو مصدر نشاط مرؤوسيه الذين لا يأتون عملاً إلا بناء على أمر يصدره أو توجيهات يعطيها، وحتى الذين يحظون بقسط وافر وكبير من الإستقلال ويملكون حق المبادرة، لا بدّ لهم من التقيّد بالتوجيه العام الذي يرسمه الرئيس.

هو الرقيب، فنشاط المرؤوسين يكون في استمرار خاضعًا لرقابة الرئيس المباشرة أو غير المباشرة. إنه قادر في كل لحظة على وقف هذا النشاط أو الحد منه أو زيادته، وقادر على تبديل إتجاهه. إنه يملك حق المجازاة: يعاقب أو يكافئ أو يثني.

إذن الرئيس هو، بالنسبة الى نشاط مرؤوسيه، الملهم والمشرف، والحسيب (الحكم).

هو أشد تعقيدًا، ذلك إن شعور المرؤوسين نحو رئيسهم يشبه، الى حد ما، شعور الولد الذي يشيع الإطمئنان في نفسه في حضور أبيه وأمه أو أي شخص بالغ آخر، فالرئيس ليس من يعرف ومن يأمر وحسب، بل هو من يحمي أيضًا.

ولكن إذا كان الرئيس في أيامنا لا يحمي حياة مرؤوسيه، فإنه مطالب دائمًا بأن يدفع عنهم أذى الناس والأشياء، ولا ريب في أن تغطية الرئيس مرؤوسيه هي التعبير الأكثر إنطباقاً على الواقع، لأن التغطية من صميم المهمة التي يؤديها الرئيس. وهو لا يغطي مرؤوسيه ليقيهم عواقب الأوامر التي يصدرها إليهم فحسب، بل يسهر على مصالحهم الشخصية ويرد عنهم ضربات جهاز إجتماعي، هو في بعض الأحيان ظالم أو أعمى.

والمرؤوس يلوذ برئيسه بدافع غريزي ليطلب منه العون والمساعدة كلما عاندته الأقدار والظروف الخفية. يسترد تعبير «حماية الرئيس للمرؤوسين»، كما تعلّمه الثقافات الأوروبية والعسكرية، مفهومه الأصيل وقيمته الكاملة، في الأزمات والحروب. ففي هذه الحالات ليس من المبالغة في شيء القول إن المرؤوسين يلوذون برئيسهم وينشدون السلامة والطمأنينة في ظله.

يترتب على الرئيس أن يكون عادلاً في معاملة مرؤوسيه. وتقوم عدالته التي يريدها الفلاسفة قابلة للتوزيع بأكثر ما تقوم على جعل المرؤوسين جميعًا متساوين في الحقوق والواجبات، متيحة إيناع (أي إدراك) إمكانات كل واحد منهم، وتفتح أمانيه ومطامحه المشروعة، وهكذا تحمي عدالة الرئيس، الضعيف المهدد في استمرار في هذه الحقول وفي غيرها بتجاوز القوى على حقوقه.

يمنع الرئيس، بما له من هيبة ونفوذ، المصادمات والمنازعات، بالعمل على إزالة بواعثها أو الحد من هذه البواعث. فهو الذي يؤمّن الوفاق والسلام في صفوف الجماعة. أليست هذه المهمة من المهام الجوهرية في مجتمع تعددت فيه بواعث الشقاق وتنوّعت؟ لقد كانت تسوية المنازعات بين رجل وآخر، ثم بين جماعة وأخرى، في طليعة مهام الرؤساء في العصور الخوالي، وهي اليوم، على رغم تطوّر المجتمع، إحدى مهام الرئيس الأساسية.

لا ريب أن هذا التعبير سيرد مرارًا وتكرارًا في سياق البحث، لأنه يساعد الى حد كبير على تعريف الرئيس وإبراز خصائص الرئاسة.

ذلك أن الرئيس ليس قدوة وحسب، بل القدوة في قوته وسلاحه وإيمانه. وإذا كان هذا الدور يحتم عليه توجيه الرجال نحو الخير واختيار الوسائل التي تكفل بلوغ هذه الغاية، فكيف لا يجتهد في استخدام الوسائل نفسها لحسابه الخاص.

وإذا كان الرئيس يعتقد أن توافر بعض الفضائل وبعض السجايا ضروري في الرجال الذين يقودهم، أفليس ضروريًا أن يكون هو نفسه متحليًا بهذه السجايا وتلك الفضائل قبل الجميع؟ وإذا لم يوقع المرؤوسين خطاهم ومسلكهم على خطاه ومسلكه، فأي مثال عساهم يحتذون؟

يبدو لنا ألّا حاجة الى التشديد على هذه الناحية، ومتى قلنا إن الرئيس هو القدوة الحسنة لا نكون قلنا كل شيء، فهو أكثر من قدوة. والمثل الصالح الذي يضربه لمرؤوسيه هو في الحقيقة وسيلة وليس غاية. على أن الرئيس الذي لا يمكنه أو لم يعد يمكنه، أن يكون قدوة، يفقد أبرز مزاياه ويفقد معها مبرّر وجوده.

ولئن يكن الرئيس دائمًا قدوة فهو في الغالب رمز. ويكون رمزًا من يجسد في شخصه المطامع والمشاعر لشعب من الشعوب، أو أمة من الأمم، أو جماعة من الجماعات.

والرمز على صعيد أدنى، هو من مثل أو جمع في شخصه بعض الفضائل العظيمة: كأن يكون خلاّقاً، خلوقاً، شجاعاً، مخلصاً، ذا إرادة فولاذية، صلبة ولينة، حاكمة وحكيمة، مستقيمة وصادقة، صريحة وجذابة. فتاريخ كل شعب حافل بوجوه كانت رمزًا لعصرها وبقيت رمزًا للعصور التي تلت في الطهارة، والمحبة أو البطولة، وإذا كان بلوغ هذه القيم ليس في وسع كل رئيس، فهو مطالب بأن يكون دائمًا بالنسبة الى مرؤوسيه، رمز الفضائل العظيمة الأربع التي سبق تواردها.

لا يمكن تصوّر وجود رئيس ديني، لا يكون في نظر أتباع هذا الدين مثال المحبة والتجرّد، أو رئیس معمل لا يجسد في نظر عماله الكفاية المهنية، أو قائد عسكري لا يكون المحبة والتجرّد والكفاية والإخلاص والشجاعة مجسمين فيه. وهنا تصعب إقامة فاصل بين الرمز والقدوة، إلا أن الرمز يحتفظ بمظهر فكري مثالي وبآخر عملي تطبيقي بميزانه، يسموان به ويجعلانه وقفاً على الصفوة.

يكون تعريف الرئيس في معظم الأحيان بالمهام التي يقوم بها والإمتيازات الممنوحة له، كأن يكون شاغلاً مركزًا ما، أو بالغاً رتبة معينة، وفي هذه الحالة يكون الرئيس حتمًا، مصدر الأوامر، جامعًا الإمكانات المادية والمعنوية، لحمل الآخرين على تنفيذ ما يرى تنفيذه واجباً.

تكون الإمكانات المادية بأجهزة التنفيذ والمراقبة، فضلاً عن أجهزة القمع الموضوعة بتصرفه، وتكون له الإمكانات المعنوية بالمهابة التي تفرضها شخصيته والوظيفة التي يشغلها، وتدفع المرؤوسين الى تنفيذ الأوامر، الصادرة عنه طوعًا لا كرهًا، ولا خوفاً من القصاص أو العقاب.

من هنا كان جواز القول إن الرئيس هو، الى حد ما، القابض على زمام السلطة. بهذه الصورة يبدو للعيان مباشرة وعمليًا وهكذا يتصوره ويلمسه مرؤوسوه والآخرون.

ينطبق وصف الرئيس، إذاً، على كل شخص يشغل في زمن ومكان معينين وظيفة أو مركزًا تكون له نية السلطة. فالرئيس بالنسبة الى موظفي القضاء، هو القائمقام، وبالنسبة الى عمال المصنع هو رب العمل، ويتفق أحيانا كثيرة إقتصار هذا الوصف على من يجعله نظام التراتب على تماس مستمر مع أصحاب العلاقة.

فالرئيس بالنسبة إلى الجندي، هو النقيب قائد السرية أكثر منه الجنرال قائد الفرقة، ومن أجل هذا ولا ريب شاع تعبير «القائد الأعلى»، تمييزًا للسلطة العليا من سائر السلطات.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل