كتب وسام اسماعيل من بعلبك في "النهار": الحدود، الحدود، وما أدراك ما الحدود اللبنانية – السورية! منذ أعوام نسمع عن ترسيمها ولا شيء تغير. ثمة أمر واقع يفرض نفسه، أسياده المهرّبون وأبناء المنطقة الذين يتدبّرون حياتهم ويصوغونها "متجاوزين" الحدود. هنا جولة جغرافيّة "غير رسمية" على تلك المنطقة البعلبكيّة الخاصّة.
يبلغ طول حدود منطقة البقاع الشمالي مع سوريا 60 كيلومتراً تتميز بوعورة جغرافيتها. عشرات القرى المتداخلة وأودية شديدة الانحدار والوعورة. بيئة خصبة للتهريب والعبور غير الشرعي. ففي المنطقة ممرات التهريب والطرق غير المعبّدة لا تُحصى. والساتر الترابي الذي وضع من الجانب السوري "لعبة" يسهل على المهربين تجاوزه وحفر كوات فيه لتسهيل تبادل البضائع. في تلك الحدود معبر واحد رسمي هو القاع ــ الجوسيه، على مسافة نحو 10 كيلومترات جنوب شرق مدينة الهرمل.
الحدود ساقية
نحن فوق قناة زيتا، وهي ساقية ماء تفصل "عرفاً" لبنان عن سوريا. ما يقع جنوبها لبناني وشمالها سوري، وخطّها من الشرق إلى الغرب. ثمة معابر غير شرعيّة كثيرة هنا، خصوصاً في بلدات القصر ومطربا ودالك (المتنازع على ملكيتها بين البلدين)، رغم وجود حواجز عدّة للهجانة السورية والسواتر الترابية. لا معابر شرعيّة في هذه المناطق، ولا مراكز أمنية سورية باستثناء بعض نقاط حرس الحدود في الجهتين اللبنانية والسورية في مناطق حوش السيد علي، دالك، مطربا، أبش، جرماش ووادي العرايس. وتفصل بين جميع هذه المعابر مساحات شاسعة محاطة بسواتر ترابية مرتفعة، إضافة إلى إحدى أقنية التوريد الى سد زيتا.
شمالنا قرى سورية متاخمة للحدود في منطقة الهرمل يقطنها لبنانيون. قرى كثيرة هي: وادي حنا، حاويك، جرماش، الصدور، بلوزة، السماقيات وضواحيها، مزرعة الوفاء، الفاضلية وضواحيها، السكمانية، السوادية والمعيصرة، صفصافة الحمام، النهرية ــ المصرية، الجنطية، عيد الدمامل، بحوري، الجروسية، الديابية، كوكران، والنزارية، وعدد سكانها 17500 نسمة يعتمدون على الزراعة. هنا، في هذا التداخل السكاني "الطبيعي" بيئة خصبة للتهريب. وإذا كان التركيز على المواد الغذائية والتنظيفية والسجائر والإسمنت والثياب، تبقى مادة المازوت السوري في رأس القائمة.
نمر في محاذاة بلدة القاع. التداخل الحدودي يتحوّل هنا اشتباكاً، أو نزاعاً قانونيّاً، ومع ذلك ثمة من يستغل هذا الوضع وينشط في التهريب. فهناك 15 كيلومتراً مربعاً منها داخل الأراضي السورية (رجم العفريت، نحمات التحتا، نحمات الفوقا، المقبرة، ووادي بعيون). وهناك نزاع قضائي مستمر منذ عقود حول ملكية العديد من العقارات والمناطق. العقار رقم 7، مثلاً، يشغله مواطنون سوريّون فيما ملكيته مشتركة بين عدد من المواطنين اللبنانيين. والسيناريو نفسه يتكرر في العقار 43 الذي تملكه الدولة اللبنانيّة.
نصل إلى معبر راس بعلبك: يمتد من بلدة المشرفة شمالاً حتى بلدة يونين، مروراً بجرود بلدتي راس بعلبك وعرسال، اللتين تشكلان حدّاً ثابتاً معترفاً به دوليّاً بين لبنان وسوريا وفق ترسيم قام به الجيش الفرنسي عام 1934.
هذا المعبر غير شرعي أيضاً.
أكبر عملية تهريب
بعد معابر المشرفة، الدورة، الجورة ضمن نطاق القاع، ننحرف قليلاً مع الحدود اللبنانية الشرقيّة في اتجاه الجنوب. نمر في جرود الفاكهة وراس بعلبك، بمعابر غير شرعيّة: ميرا مرطبيا، وادي مرطبيا، العقبة، عقبة حليمة، القبو، وادي جريجير، وادي الزمراني جريجير، عقبة القصيرة، وادي العوينة الكدش، وادي الأعوج، المعرة. وكلها ضمن نطاق بلدة عرسال الاوسع مساحة والتي تشهد أنشط حركة في عمليات التهريب. وعمدت الهجانة السورية الى تشييد سواتر ترابيّة، وسيطرت على عقارات لبنانية (حوّرتا، ودرجة خُشن، وخربة داود، وخربة يونين). وترافق ذلك مع اشكالات امنية بين اهالي عرسال ومواطنين سوريين في شأن ملكية بعض البساتين الزراعية. المهم أن الحدود التي تتلاقى عند جرود بلدة نحلة اللبنانية (شرق بعلبك) المحاذية للبلدات السورية الجبة والمعرة والفليطة، وتمتد من عرسال شرقاً حتى بلدة طفيل غرباً، "غنيّة" بالمعابر غير الشرعية والمهمة بالنسبة إلى المهربين، وهي: وادي الهوى (بين نحلة وعرسال)، وادي النحاسة ووادي الجمالة (نحلة)، الجباب (جرود بعلبك)، بئر باغوث (في المعرة السورية).
هذه المنطقة تحظى بعناية خاصّة، واللجنة الفرعيّة اللبنانيّة – السوريّة المشتركة غالباً ما تجتمع على نحو عاجل لمعالجة مشكلات تنبت فيها. يعرف المهرّبون الأمر ويستغلّونه، فمنذ أيام "دُبِّر" خلافٌ مع مسؤول في الهجانة السورية، بهدف إلهائه وعناصره لتنفيذ "أكبر عملية تهريب المادة المازوت في هذه الفترة"، وفق أحد المهرّبين.
نصل إلى بلدة معربون اللبنانية في الجهة الجنوبية الشرقية للحدود. طريق ترابية ضيقة تربطها ببلدة سرغايا السورية وتتمركز فيها نقطة لحرس الحدود السوري، تمنع العبور بحاجز حديد. وعلمت "النهار" ان جرافات الدفاع المدني تشق في خراج معربون، بطلب من البلدية وموافقة وزارة الاشغال، طريقاً لتسهيل الوصول الى الاراضي الجبلية.
حصان طروادة
هناك طريق أخرى (10 كيلومترات) تمتد من بلدة النهير الواقعة ضمن بلدتي معربون وسرغايا (متنازع قضائياً عليها) وتتفرع منها طرق عدة تؤدي إلى الأراضي السورية. وتنطلق طريق ترابية (25 كيلومترا) من محلة النبي سباط الى بلدة عسال الورد السورية… يتخيّل المرء أن الوعورة تمنع حركة التهريب، لكن سرعان ما يكتشف أنها تقلل الحركة، لا سيما شتاءً، ولا تعدمها.
وفي الشمال الشرقي من قرية معربون قريتا يحفوفا وحام. منطقة زراعية خصبة تمتد من شمال يحفوفا الى الطرف الجنوبي من السهل، أي عند الحدود الشمالية لقرية سرغايا السورية التي تشهد منذ عقود نزاعاً بين مزارعين سوريين يستغلّون بعض العقارات ومواطنين لبنانيين "يملكونها".
الوصول إلى بلدة الطفيل لغز حدودي قائم في ذاته. فالساتر الترابي الذي يمنع الوصول اليها الا من طريق بريتال ــ النبي سباط ــ طفيل، ووعورة طريقها وبعدها من القرى اللبنانية، يجعلان الزائر يعتقد أنها خارج الحدود اللبنانيّة، لكن الهويات التي يحملها السكان تؤكد على عكس ذلك.
تجاوز معبر بلدة بريتال ــ النبي سباط نحو قرية الجية السورية، حكر على اصحاب سيارات الدفع الرباعي، فطريقه الجبلية ضيقة وعرة. مثله معبر النبي شيت ــ جنتا ــ يحفوفا المقفل بساتر ترابي في محلة الشمرة الواقعة في خراج بلدة جنتا وعين الخنزير. وإذ نظن أن ليس أمامنا إلا الطريق الترابية الوعرة في آخر يحفوفا باتجاه سرغايا، نكتشف أن هناك أخرى من ساحة يحفوفا إلى سرغايا عبر الجرد. وأكثر، هناك ثلاثة معابر في منطقة الشعرة يخراج بلدة النبي شيت، لكنها اليوم الأيام مقفلة وتحت المراقبة.
الحدود او الحركة الحدودية للمواطنين على الجانبين عادية. الجسر الخشب في بلدة حوش السيد علي ليس وحيداً بين سوريا ولبنان. ورغم ذلك المنطقة مستقرّة أمنياً، وسكان بلدة القصير السورية المجاورة التي تعرّضت في الآونة الأخيرة لقصف مدفعي من الجيش السوري لم يعبروا تلك الحدود مثلما فعل مواطنوهم في تلكلخ الذين لجأوا إلى وادي خالد اللبنانيّة.