#adsense

مهما قيل عن روسيا ميدفيديف وبوتين فهي تتطلّع إلى المستقبل

حجم الخط

هلّل أركان النظام البعثيّ – الذي يتجاوز أزمته كل يوم منذ ستة أشهر وإلى الحين لنبأ الفيتو الروسيّ الصينيّ في مجلس الأمن. عدّوه حدثاً تاريخيّاً، ليس قبله كما بعده في تاريخ العلاقات الدوليّة. يبدو الأمر إذاً كما لو أنّ قتل الناس في أنحاء سوريّا كافة لم يكن إلا مصيدة لتفكيك بنى الإمبريالية الغربية، وإظهارها للعالم أجمع مغلولة اليدين، بلا حيلة أو وسيلة. أو يبدو الأمر كما لو أنّ روسيا والصين، باستخدامهما حقّاً قد استأنفتا حرباً باردة عالمية جديدة، لمصلحة نظام لا يجد غير خرافتي "محاربة الإمبريالية" و"تحالف الأقليّات" للتعكيز عليهما في وجه الثورة الشعبية المتواصلة.

لكن الهذيان البعثي ينبغي ألا يمنعنا من الإقرار بأنّ الفيتو الروسيّ الصينيّ هو بالفعل حدث يؤرّخ له، ويشير إلى أزمة في منظومة القيم الدولية، وهي أزمة ناشئة عن إفتراق كبير في طرح الإشكاليّات. فالسؤال الروسيّ الصينيّ هو: ما حدود التدخّل الخارجيّ في شؤون أي دولة خصوصاً إذاً كانت صغيرة، وإذا كان المسوّقون للتدخّل لهم باع في التاريخ الإستعماريّ للمنطقة؟ أمّا السؤال الغربي فهو: أما آن الوقت كي تمتلك البشرية آليات قادرة على وقف أو ردع أي دينامية شريرة من نوع "جرائم ضدّ الإنسانية" و"جرائم إبادة" في الوقت المناسب؟

بيد أنّ هذه الأسئلة لا تطرح في فراغ، إنّما تستند إلى توازنات عالمية يخطئ من يعتقد أنّها تجاوزت النتيجة الحاسمة للحرب الباردة. فانتصار المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة على الإتحاد السوفياتيّ ما زال المعادلة الأساسية التي تحكم زماننا.

الطريف هنا، أنّ أحد الشبيحة الأيديولوجيين للنظام البعثي لم يجد ما يقوله في إمتداح الفيتو الصيني الروسي غير تشبيهه بإنذار رئيس الوزراء السوفياتيّ آنذاك نيقولاي بولغانين الذي أوقف، باعتقاده، العدوان الثلاثيّ على مصر في حرب السويس سنة 1956. هذا الشبيح الطريف يرتكب في الحقيقة خطأين. الأوّل توهّمه بأنّ روسيا الحالية كالإتحاد السوفياتي في عزّ تعملقه، علماً أنّه منذ حسم الإدارة الأميركية أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا عام 1962 في صالحها، بدأت هذه العملقة تتفكّك. أمّا الخطأ الثاني فهو جهله بما صار واضحاً وجليّاً بعد الكشف عن الأرشيف السوفياتيّ، فإنذار بولغانين لم يكن إلا خدعة دعائية، وموسكو لم تكن في وارد أي تصعيد استراتيجي جديّ ضدّ باريس ولندن في حينه، كما أنّ صاحب القرار الأساسيّ في إيقاف العدوان الثلاثي على مصر كان الرئيس الأميركيّ دوايت ايزنهاور.

فإذا كان أركان النظام السوريّ يبنون على إيهام أنفسهم قبل الآخرين، بأنّ الحرب الباردة مستمرّة، وأنّها دخلت في طور "التسخين" هذه الأيّام، فحريّ بالشعب السوريّ الثائر رفع منسوب التفاؤل إلى الحدّ الأقصى.
فالشيء بالشيء يُقاس، وكوريا الشمالية نفسها، المحروسة بـ"الجيرة الستراتيجية" الروسيّة الصينية تعلم جيّداً بأنّ زمن الحرب الباردة حسمت ولن تعود. لذلك ترى نظام بيونغ يانغ يبني حساباته في التوتّر أو الإنفراج على نجاح في تقديم نفسه كـ"دولة قطّاع طرق" تهدّد العالم بانهيارها إذا لم يبقها على قيد الحياة، وليس كـ"دولة مواجهة" في سياق صراع عالميّ.

وإذا كان النظام السوريّ الذي برع هو الآخر في إقامة "دولة قطّاع الطرق" سيفكّر من الآن فصاعداً بأنّه "قلعة مواجهة" مع الإمبريالية في سياق صراع عالميّ فهذا يعني جيّداً، بأنّه بات فعلاً "بُحكم المنتهي". على الأقل كان حافظ الأسد يدرك منذ فترة مبكرة بأنّ الكلمة الفصل في الشرق الأوسط للسياسة الأميركية لا السوفياتية!!

لا مناص من التكرار: الحرب الباردة حسمت وانتهت قبل عقدين من الزمن، ولن تعود البشرية إليها. في الوقت نفسه، لا بدّ من الإستدراك: العالم بعد الحرب الباردة لم يصبح لا "أحاديّاً" ولا "تعدّديّ الأقطاب" بالأشكال المبالغة التي يجري توهّمها. ما زال العالم يرتكز بشكل استراتيجيّ إلى "الثنائية القطبية" الأميركية الروسيّة، وهذه أعيد انتاجها في العقدين الماضيين، بحيث لا تختزل لا في "مواجهة" ولا في "شراكة"، وبحيث يبقى إتضاح صورتها رهناً بإعادة تشكيل روسيا ما بعد السوفياتية لصورتها. ومهما قيل عن روسيا بوتين وميدفيديف وخيبة الأمل الديموقراطية وصمود البيروقراطية وإستفحال المعضلة الديموغرافية، يبقى أنّها تتطلّع إلى المستقبل، وتعيد طرح الإشكالية الروسية التقليدية منذ ثلاثة قرون، إشكالية "اللحاق بالغرب"، في حين أنّ النظام البعثيّ لا يمكنه أن يتطلّع إلى المستقبل، خصوصاً بعد أن ألغى وليد المعلّم معظم بلدان الخارطة، ولم يبق للجغرافيا مادة تذكر لطلاب المنهج الدراسيّ البعثيّ

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل