#adsense

كتابان فرنسي ولبناني بمعلومات تاريخية مغلوطة

حجم الخط

كتب الشاعر هنري زغيب في "النهار": في كتاب "لبنان ينبوعُ العلوم الإنسانية" الذي يصدر قريباً للباحث والمؤرّخ اللبناني الدكتور حارث البستاني (200 صفحة بالفرنسية قطعاً كبيراً عن منشورات "الدائرة")، وفي الفصل الثالث منه: "قدموس أو الأبْجدية" صفحة 55، استشهادٌ بالفيلسوف الإيطالي إيتالو كالڤينو (1923 – 1985) من بَحثه "أقدميّة الأبجدية" (ميلانو 1984) وفيه: "وُلِدَت الأبجدية في 22 حرفاً على الشاطئ الفينيقي (لبنان الحالي) نحو سنة 1800 ق.م.، فهي إذاً اختراعٌ فينيقي".

وفي الصفحة 59 يذكر البستاني: "اختراعُ الأبجدية مرتبطٌ بقدموس، لا لأنه مُخترعُها بل ناشرُها في بلاد اليونان فالعالم، فهو إذاً رمزُ قدَرٍ مزدوج للبنان: رائد الهجرة إلى الدنيا، ومعلّم معلمي العالم".
ويختم البستاني هذا الفصل (صفحة 70): "الإثبات الدامغ لأقدمية الأبجدية الفينيقية، أن اليونان اعتمدوا أبجدية بيبلوس كما علّمهم إياها قدموس، بسَمْعِها دون معناها، سوى صورة الحرف فقط، ولَم يعدِّلوا فيها حرفاً واحداً، بل أبقوا لكل حرف اسمه الفينيقي".

من هذا الواقع التاريخي أنتقل إلى كتاب فرنسيّ موجود حالياً بين أيدي تلامذة الصف السادس (الأول متوسط) صادر في باريس عام 2009 عن منشورات "هاشيت"، قرأْتُ عنه قبل أيام في "لوريان لوجور" مقالاً للناشط اللبناني ناجي فرح، رئيس "تَجمُّع الشبيبة اللبنانية" في فرنسا ولبنان، أثارَني حتى إذا جئتُ بالكتاب بانَت لي نواقصُه.

في الصفحة 14 من الكتاب، في فصل "أسرار الأبجدية"، ورَدَ أنّ حرف "أَلِف" هو الأول في الأبجدية السينائية (ويشرح أنها "الأبجدية المكتشَفَة في تنقيبات سيناء")، وهذا خطأٌ تاريخيٌّ تصحيحُه أن "الأَلِف" معناها "رأس الثور" في الفينيقية، وهي صارت "أَلْفا" في الإغريقية، و"بِتْ" معناها "بَيْت" في الفينيقية، صارت "بِيتّا" في الإغريقية، و"غيمَل" معناها جَمَل في الفينيقية، صارت "غامّا" في الإغريقية، و"سامِك" معناها سمكة في الفينيقية، صارت "سيغْما" في الإغريقية.

وفي الصفحة 27 من الكتاب فصل "الكتابة: تاريخها وقواعدها"، جاء أنّ "أقدم ثلاث كتابات هي المسمارية والهيروغليفية المصرية واليونانية. وهذا خطأٌ تاريخيٌّ آخَرُ، تصحيحُه، وفق باحثين عالَميين (بارتيليمي، باوِر، بلَيك، كورليه، ديكي، دورْم، دوسّو، ڤيرولّو، ستاركي، پاردي،…) وباحثين لبنانيين (موريس شهاب، فؤاد افرام البستاني، كميل البستاني،…) أنّ أُمَّ جميع الأبجديات هي الأَبجدية الكنعانية التي ظهرَت لدى سكان بيبلوس في الألف الثاني ق.م.، ولا تزال على ناووس أحيرام في متحفنا الوطني شاهدةً على أَقدم أبجدية ناطقة في العالم.

وفي الصفحة 98 من الكتاب، في فصل "الكتاب المقدّس" (البِيبْل)، جاء أن كلمة "بيبْل" هي من الكلمة اليونانية "بيبليا" أي الكتاب. وهذا خطأٌ تاريخيٌّ آخَرُ لأن كلمة "بيبل" هي من كلمة "بيبلوس"، لأن اليونان كانوا يشترون الورق من بيبلوس فنسبوه إليها وأخذت الكلمة طريقها إلى الكتاب، ومن هنا تناسلَتْ كلمات "بيبْل: الكتاب المقدس"، "بيبليوتيك: المكتبة"، بيبليوغرافيا: ثبت المؤلفات"، "بيبليوفيل: هاوي جمع الكتُب"، "بيبليوباص: مكتبة سيارة"، "بيبليوفيلم: مكتبة أفلام"، "بيبليومانيا=الهوَس بجمع الكتب"، وغيرها من مشتقّات الكلمة التي ترقى إلى بيبلوس لبنان لا إلى بيبليا اليونان.

وفي الصفحة 99 من الكتاب خريطة للعالم القديم تُظهر شِمالاً آسيا الصغرى، جنوباً البحر الأحمر، شرقاً نينَوَى وبابل وبلاد ما بين النهرين، غرباً قبرص والبحر المتوسط والقدس والبحر الميت وسيناء. وغابَ عن الخريطة كلياً ذِكْرُ لبنانَ الأرز، ومُدُنِه الخالدةِ صيدا وصور وبيبلوس وكلِّ الشاطئ الفينيقي الذي عنه انطلق الحرف، ومن شطّ بيبلوس أَقلعَ أولُ مركبٍ حَملَ قدموس عليه الأبجدية إلى بلاد اليونان التي يتوقّف عندها كثيرون ناسبين إليها ما أخذتْهُ عن فينيقيا أو مدُن فينيقية كانت في التاريخ القديم سطوعَ الحضارة في العالم.

مؤلِّفَتَا الكتاب (مُدَرِّستان "مُجازَتان") ربما تَجهلان أنّ ولادةَ الأبجدية كانت في لبنان فينيقيا، أو انهما مُغْرضتان (!) لا تريدان أن تعترفا. وكلا الافتراضين خطيئةٌ تأليفيةٌ تربويةٌ كبرى. وكان يكفي أن تقرأَ المؤلِّفتان كتاب مواطنهما الفرنسي جان پيار تِيُّوليه "إسمي بيبلوس" (پاريس 2005) وفيه، بين ما فيه، هذا المقطع: "نحو عام 1300 ق.م. لم يكن قلبُ العالم في نيويورك ولا في طوكيو ولا في پكّين ولا في هونغ كونغ، بل كان قلبُ العالم في مدينة اسمها بيبلوس، قريبةٍ من العاصمة اللبنانية الحالية بيروت، سُكّانُها ترَكوا لنا مَحفورةً على الخشب والمعدن والحجر لغتَهم اليوميةَ التي باتت لاحقاً أُمَّ الأبجديات الناطقة".

أو أن تقرآ كتاب مواطنَيْهما الفرنسيَّين فرنسوا بريكيل شاتونيه وإريك غوبيل: "الفينيقيون مؤسِّسو لبنان" (منشورات غاليمار پاريس- 1998)، وفيه، بين ما فيه، هذه العبارة: "حَملَ قدموس معه إلى الغرب أدواتِ الكلام والمنطقِ بِعلاماتٍ حروفيةٍ رسومُها الكتابيةُ توازيها أَصواتٌ نطقية، كان تعلَّمها في بلاده فينيقيا".

وإذا تجاوَزْنا جهل تينك المؤلِّفتين الفرنسيّتين، فكيف تَجاوَزَ هذا الكتاب مسؤولين لبنانيّين تربويّين ومنسِّقين ومديرين ومقرِّرين اعتمدوه، من دون قراءة ما فيه، ووضعوه بين أيدي أولادنا اللبنانيين الذي، في هذه السنّ الطرية سيكبرون ولن يُقنِعَهم أحدٌ في حقيقة ولادة الأبجدية في وطنهم، متحَجِّجين بأن كتابهم لم يذكر ذلك، والكتابُ مرجعٌ نهائي للتلامذة حين يَحفَظون الحقائق أو يَدرُسون المعلومات.

وعن غياب التدقيق في صحة الحقائق والمعلومات، كتابٌ لبنانِيٌّ هذه المرة، موضوعٌ بين أيدي تلامذتنا، نقاربه من دون اتهام مؤلفيه بالجهل، لكن الحقيقة التاريخية لا بدّ من توضيحها، خصوصاً في كتاب تاريخ.

إنه كتاب "التاريخ العلميّ" لتلامذة السنة التاسعة – تعليم أَساسي (الصفّ الثالث/البريڤيه) صادر عن منشورات "حبيب ناشرون"، مؤلِّفوه تسعة مُدَرِّسين بينهم أربعةٌ دكاترة. في الفصل العاشر منه: "الحُكْمُ الوطنيُّ في ظلّ الانتداب الفرنسي أيار 1926- أيلول 1939" قسمان: أَوَّلُ عن "الدستور اللبناني"، والآخَر عن "الحوادث السياسية بين 1926 و1939". وفي هذا القسم الأخير، صفحة 62 من الكتاب، فِقْرَةُ "معاهدة 1936 اللبنانية الفرنسية" عن ظروفِ وَضْعها وأَسبابِه، وصورةٌ في أعلى الصفحة فوقَها عبارة: "الوفدُ المفاوِض برئاسة إميل إدّه مع دو مارتِل وفرنسيين". والحقيقة أنّ هذه الصورة لا علاقةَ لها مطْلقاً بأَيِّ وفدٍ مفاوضٍ، بل هي صورةُ المدعوّين إلى مأْدُبة الرئيس إميل إدّه في بيته بعد تشكيل الحكومة الائتلافية في 15 آذار 1937 برئاسة خيرالدين الأحدب، وبدا فيها جلوساً: المفوّض السامي الكونت دو مارتِل، الرئيس إميل إده، رئيس الحكومة خيرالدين الأحدب، الأمير خالد شهاب، پترو طراد، ووقوفاً: وزير الداخلية ميشال زكور، وزير الأشغال أحمد الحسيني، وزير المعارف حبيب أبو شهلا، الشيخ بشارة الخوري، وبعضُ موظّفي المفوَّضيّة الفرنسيّة في بيروت.

يعني أنّ هذه الصورة مأخوذة في 15 آذار 1937 ولا علاقة لها بالمعاهدة اللبنانية الفرنسية التي سبَقَ التوقيعُ عليها في السرايا الصغيرة نهار الجمعة 13 تشرين الثاني 1936، أَي قبل أربعة أشهر من الصورة المشار إليها خَطأً أنها لوفد مفاوضاتٍ تَمّت قبل تشكيل الحكومة التي نشَرَ صورتَها الكتابُ خطأً على أنها لـ"الوفد المفاوض".

قد يجد البعض هذا الأمر تفصيلاً. وتكراراً لا نتّهم الزملاء المؤلّفين بأيّ تقصير، إلاّ بعدم التدقيق في وقائع تاريخية عن لبنان، والكتاب عن تاريخ لبنان. كما لا نلوم الناشر الذي أصدر الكتاب بإخراج لائق وطباعة ممتازة، ولا نلوم مُنسِّقي المدارس أو المسؤولين فيها على اعتماد الكتاب لتلامذتهم وهو وليس من تخصصهم كي يدققوا فيه.

على الزملاء المؤلّفين، في أَيّ قطاع تأليفي، أن يكونوا أكثر تدقيقاً في كل معلومة يُسدونها إلى تلامذتنا الذين في هذه السنّ الطريّة يَتَحَجَّجُون بما في كتابهم مرجعاً راسخاً في تَلَقِّيهم الحقائق وحِفْظ المعلومات. والمؤلف الذي لا يدقِّقُ في التعليق على صورة قد لا يُدَقِّقُ أَيضاً في اسمٍ أو تاريخٍ أو معلومةٍ في الكتاب.

إنّ في ذلك ترسيخَ معلوماتٍ خاطئةٍ في ذاكرة أبنائنا. فكيف إذا كان الراسخ يتعلّق بوطنهم الذي يُغيّب عنه كتابهم حقيقة تاريخية تجعله، في تاريخ العالم، على الصفحة الأولى من جبين التاريخ!

المصدر:
النهار

خبر عاجل