وسقط الخط الأحمر عن الجيش كما عن 14 آذار
فادي ريحان
فادي ريحان
الآن بدأ القاتل يمد يده الآثمة نحو الجيش اللبناني المؤسسة الضامنة لوحدة اللبنانيين في ظروفهم الصعبة والمريرة التي يعيشون فيها منذ سنوات ثلاث على التوالي. الظروف تبدو انها تصير اكثر قساوة مع الجريمة البشعة التي ارتكبها القاتل صباح امس، رغم قساوة ما مررنا به منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن بعده الجرائم المتناسلة من بعضها البعض والمترابطة والتي يرتكبها مجرم واحد بحسب رئيس لجنة التحقيق الدولية في تقاريره الاخيرة.
رغم قساوة ما مررنا به، كنا نحتمل جرائم القتل تلك، لانها كانت تطال ساسة ومثقفين اعلنوا مواقفهم على الملأ وعرفوا انهم مشاريع شهداء بسبب مواقفهم تلك التي طالبت برفع الوصاية السورية عن لبنان، ومن ثم بتشكيل المحكمة الدولية لكشف قتلة الرئيس الحريري ومعاقبتهم، ومن ثم المطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال، وكان استشهادهم جميعا يزيدنا اصراراً على مواقفهم تلك. ولكن جريمة الامس تتعدى هذه الامور جميعها، وتتعدى الموت بسبب النضال او الموقف السياسي، لانها تطال الجسم العسكري اللبناني الذي كان بمثابة الضامن للامن اللبناني طيلة السنوات الماضية، وهي جريمة تتشابك مع الصراع على ملء الفراغ الرئاسي الذي رشحت قوى 14 آذار العماد ميشال سليمان لملئه، وتتعلق باختيار خلف للعماد سليمان في قيادة الجيش في ما لو تم انتخابه رئيسا للجمهورية بعد وقف تعنت المعارضة ووضعها شروطا تعجيزية، لمنع اتمام عملية الانتخاب، من قبيل مبادرة ميشال عون، الجنرال، او اقفال المجلس النيابي، او المطالبة بسلة “اصلاحات” تحتاج الى اتفاق “طائف” جديد للفراغ منها وتحقيقها.
هي جريمة تطال قائد العمليات في الجيش اللبناني الذي كان قائد العمليات في نهر البارد في مواجهة عصابة شاكر العبسي، التي كانت هي نفسها امتداداً لعمليات الاغتيال في لبنان وحلقة من حلقاتها، خصوصا بعد اتهامها بتفجيرات عين علق. والعصابة تلك كانت جزءاً من منظومة التخريب وزعزعة الاستقرار اللبناني، وكان العميد الشهيد يملك معلومات كثيرة عن مصادر تمويلها والدوافع التي جعلتها تتحصن في نهر البارد وتقوم بسرقة البنوك وقتل عدد من جنود الجيش اللبناني.
اذاً يعاقب العميد فرانسوا الحاج على اصراره على الدخول في معركة ضد العصابة المذكورة التي بات معروفًا من اين اتت، وتخفي هذه الجريمة المعلومات التي يملكها عن هذه العصابة. كذلك يتم حشر الجيش في المواجهات السياسية الداخلية التي قسمت اللبنانيين الى فريقين، احدهما يشكله “حلفاء سوريا” الذين رأى فاروق الشرع قبل ايام انهم اقوى من اي وقت مضى حتى مقارنة بوضعهم حين كان الجيش السوري في لبنان، وبالطبع هو يقصد “حزب الله” وحركة “أمل” اللذين باتا اقوى بسبب تحالفهما مع ميشال عون. وليس المجال هنا واسعًا لشرح عبارة “باتوا اقوى” لأن مجرد نظرة على المجلس النيابي ومخيم الاعتصام تعطينا فكرة عن ذلك.
الان السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يريده القاتل من اغتيال العميد فرانسوا الحاج؟ بما ان عملية الاغتيال لا تحمل توقيعًا سوى شبه بعمليات اغتيال طالت مروان حمادة وجبران تويني والياس المر، فإن القاتل الذي لم يعلن هدفًا معينًا من وراء جريمة الاغتيال، على ما يفعل المغتالون من المنظمات الجهادية او الانفصالية التي تعلن هدفا لعملياتها، فإنه يريد ازاحة العميد من الطريق نحو تسلمه قيادة الجيش طالما انه كان من المرشحين الاوائل لتبوئها في حال جرى انتخاب العماد سليمان رئيسا للجمهورية، هذا احد الاحتمالات. الاحتمال الثاني هو تهديد الجيش الذي كان بمثابة صمام امان الامن اللبناني والحياة السياسية اللبنانية ومنعها من الانفلات والتدهور الذي كان مطلوبا أكثر من مرة من فرقاء كثر اولهم النظام السوري. وكذلك بسبب وقوفه على الحياد في مواجهة التظاهرات اللاحقة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والاغتيالات التي تلته والتي طالب فيها المتظاهرون بإسقاط النظام الامني السوري ـ اللبناني المشترك وباستقالة حكومة عمر كرامي التي سقطت تحت وطأة الضغط الشعبي والتي كان الجيش في اثنائها يلتزم دور المحايد المراقب. ومعاقبته على خوضه معركة نهر البارد في مواجهة العصابة التي شكلّت ومولت واستدعي مقاتلوها من اجل تأجيج الفلتان الامني في لبنان، وقد تكون عملية الاغتيال هذه ردا على اعلان قائد الجيش ان الجيش سيقف في مواجهة اي تعد على الامن الداخلي وذلك بعد اعلان المعارضة رغبتها بالنزول الى الشارع لاسقاط الحكومة.
وقد تكون عملية الاغتيال هذه بمثابة دفع للجيش الى ساحة النزاعات الداخلية من اجل تفجيرها وخصوصا ان محاولات التفجير باءت بالفشل منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة. ولم يخب امل رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج برامرتس حين اعلن في تقريره الاخير الى مجلس الامن ان القاتل ما زال يملك امكانية كبيرة في التحرك في لبنان، وهذه هي النتيجة، خصوصا انه كان قد حسم ان القاتل هو نفسه في جميع الجرائم، وان الجرائم مرتبطة ومتسلسلة جميعها وقامت على نفس الدوافع.
الجيش خط أحمر؟، على ما قيل ويقال. تقول جريمة الامس ان الجيش لم يعد خطاً أحمر، وان الجيش مهدد مثله مثل فريق 14 آذار ونوابه ووزرائه. ويريدنا القاتل ان نعرف ان بلادنا لن تقوم لها قائمة طالما انه لا يرغب بذلك. لذا فإنه علينا توقع جرائم جديدة في كل مرة، وعلينا ان نعتاد تلك الجرائم حنى تصير جزءا من حياتنا اليومية، كما اعتدنا مخيم وسط المدينة واقفال هذا الوسط، وكما اعتدنا اقفال المجلس النيابي وتأجيل جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، وكما اعتدنا الشروط التعجيزية لانتخاب الرئيس والتي لا تشي الا برغبة عدم اجراء هذا الانتخاب، وكما اعتدنا احراق الاطارات في الطرق واقفالها عند كل سانحة.
القاتل وبعد جريمة امس يقول لنا انه لم تعد هناك خطوط حمر في هذه البلاد. الجيش بات خلف الخط الاحمر ايضا. ويريدنا ان نفهم تماما ان محنتنا لن تنتهي الا بالتسليم له بالتسلط علينا. ولكن القاتل يعرف ان هذا من سابع المستحيلات..