#dfp #adsense

الى مغارتك ترنو عيوننا فلا تخيّبها

حجم الخط

كتب الأب الدكتور توما مهنا في “المسيرة” – العدد 1735

حول ميلاد الرب يسوع

الى مغارتك ترنو عيوننا فلا تخيّبها…

إتصلت بي مجلة «المسيرة»، يوم الإثنين، 14 ت2 2022، قبل الظهر، وطلب مني المتصل كتابة مقال حول «الميلاد»، ميلاد الرب يسوع (25 ك1 2022). ترددت في تلبية طلبه لأسباب عدة، أولها تقدمي في العمر، المُضعِف لقوى الإدراك فيّ، وأسمعته ذلك، ولكنني أرفقته بكلمات أخرى غير حاسمة، ومعبّرة عما تميّزت به، ولا أزال، بالممارسة، أي بعدم القول «لا» لأي طالب مني شيئاً، موضوعه ممكن لديّ.

1 – لقد إنطلق التردد لديّ، المُشار إليه أعلاه، ممّا تصوّرته منتصبًا أمامي من كتابات لا تُحصى حول ميلاد الرب يسوع، حول الوعد الإلهي بمجيئه، وحول حدوثه ومفاعيله منذ ألفين وإثنين وعشرين سنة! فإني دون التمكن من إحاطة واجبة، بل أقلّه مقبولة لا بدّ منها، كشرط لحسن الإختيار وكتابته!

2 – وانطلق كذلك عدم القول “لا” لديّ، الذي لمست وجوده، بالممارسة، في ماضي حياتي، من إرتقاء ذلك لديّ الى مستوى قناعة مبدئية، قائمة على فعل الخلق الإلهي. لقد خلقنا الله في وجود بشري، لا إلهي في ذاته، إذن، في وجود ناقص، أراده الله واقعيًا ووقتيًا معه في “جنة عدن”…، وصائر في حال الخطيئة التي هي إنفصال عن الله الخالق واختباء من وجهه…، فهذا الواقع الوجودي الذي نحن فيه وبه، في هذا العالم الزمني، يجعلنا في عمل متواصل لسدّ هذا النقص، إنسانيًا وزمنيًا، بسعينا المتكاتف واستثمارنا للموجودات اللامحصورة، التي أوجدها الله لنا وحولنا، ومسيحيًا وأبديًا، باعتمادنا، في عمق نوايانا وبُعد أهداف أعمالها، الإيمان والرجاء والمحبة، كمتوجبات شخصية وجماعية (كنسية)، يفرضها تصميم الله الخلاصي لنا، الذي أتّمه المسيح بدءًا بميلاده المجيد.

3 – إليك الآن، قارئي العزيز، كلامًا حول ميلاد الرب يسوع، باعتباره حدثاً تاريخيًا:

عندما صعد يوسف الصدّيق مع خطيبته مريم من مدينة الناصرة (الجليل) الى مدينة داود، التي تُدعى بيت لحم اليهودية، لكي يكتتبا فيها بموجب الأمر الصادر من أوغسطوس قيصر بإحصاء كل المعمورة، تمّت حينها أيام مريم لتلد، فولدت إبنها البكر، وقمّطته وأضجعته في مذود، في معلفٍ للحيوانات، في مغارة ملاصقة لغرفة السكن، حيث كانا يقيمان مع آخرين أتوا أيضًا للإكتتاب. ما أن ولد الطفل يسوع، حتى ظهر ملاك الرب لرعاة كانوا يقيمون في الحقول المجاورة مع قطعانهم، وبشّرهم بفرح عظيم للشعب كله، بميلاد «المخلص المسيح»، ثم إنضم الى الملاك جمهور من الملائكة ينشدون «المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر». وعندما انصرف الملائكة عنهم، قاموا من دون تردد، وجاؤوا بسرعة الى المكان، ورأوا وتحققوا من صحة ما قيل لهم، وأخبروا بما سمعوا، وعادوا الى قطعانهم، وهم يسبّحون الله ويمجدونه.

4 – وإليك الآن أيضًا، قارئي العزيز، نصوصًا يشير كل منها الى معنى من معاني حدث ميلاد الرب يسوع اللاهوتية:

* النص الأول للقديس كيرلس الأورشليمي (387): «ميلاد يسوع هو أزلي وزمني: إن سمعت الإنجيل يقول: «كتاب ميلاد يسوع المسيح، إبن داود، إبن إبراهيم» (متى 1: 1)، فافهمه عن ميلاده حسب الجسد، لأنه إبن داود في ملء الأزمنة، ولكنه إبن الله قبل كل الدهور، بلا بداية. تقبّل يسوع بنوّته الجسدية التي لم تكن له، أما بنوّته للآب فهي له منذ الأزل. إن له أبوين: داود بحسب الجسد، والله الآب بحسب الألوهية»!

* النص الثاني لنفس القديس كيرلس الأورشليمي: “إن يسوع المتجسد هو إله وإنسان معًا: هو إنسان في ما كان يُرى، وإله في ما كان لا يُرى». وكإنسان كان يأكل مثلنا، وكان له جسد معرّض للآلام، ولكنه كإله أطعم خمسة آلاف رجل خبزًا، ومات فعلاً كإنسان، وكإله أقام ميتاً بعد أربعة أيام. ونام فعلاً في السفينة كإنسان، وكإله مشى على المياه».

* النص الثالث يعبّر بطريقة عامة عن المعنى اللاهوتي لميلاد الرب يسوع: “الميلاد سرّ لقاء إبن الله الوحيد المتأنس مع الإنسان: تأنس إبن الله ليؤلّه الإنسان! إنه حلم الكون والبشر أجمعين، رجاء الآباء القديسين، ورؤيا الأنبياء الملهمين. هو شوق كوني تغنّت به الشعوب على اختلاف معتقداتها وحضارتها، وعاشه شعب التوراة بصورة مميّزة: «ينزل كالندى على الأعشاب، وكالمطر الذي يسقي الأرض، يفرح في أيامه الصدّيق، ويعمّ السلام حتى زوال القمر» (مز 72: 6 ـ 7). به أصبحنا نحن أبناء الله وإخوة للإبن الوحيد وورثة لمجده الأبدي. لذلك يقول بولس الرسول، والفرح ملء فؤاده: «ولكن، لمّا بلغ ملء الزمان، أرسل الله إبنه مولودًا من إمرأة، مولودًا في حكم الشريعة، لكي يفتدي الذين هم في حكم الشريعة، حتى ننال البنوّة. والدليل على أنكم أبناء، هو أن الله أرسل الى قلوبنا روح إبنه صارخًا: «أبّا، أيها الآب»! فأنت إذاً لم تعد عبدًا، بل أنت إبنٌ، وإذا كنت إبناً، فأنت أيضًا وارث بنعمة الله» (غلـ 4:4 – 7).

5 – وإليك أخيرًا، قارئي العزيز، نصوصًا أخرى، هي في هيئة “صلاة” تعبّر إما عن شكر واجب، وإما عن طلب لسدّ حاجة:

– لتكن ذكرى مجيئك، ربّي، هذه السنة 2022، للبناننا وللعالم قاطبة، إنطلاقة جديدة نحو وجود أفضل، تسود فيه المحبة، وتتحقق العدالة، ويتمّ السلام، وتتحدّ القلوب، ويزول القلق من نفوسنا الثائرة وعقولنا الحائرة!

– يا وعدَ الأجيال ومحطّ آمال الدهور، نشتاقك طهرًا وحقًا وسلامًا! إليك تهتزّ أرضنا من أعماق جذورها، والى مغارتك ترنو عيوننا، وتسارع قلوبنا تسجد وتصلّي، فلا تخيّبها أنت، يا كل الحق والسلام، يا كل الطهر والفرح، يا ربنا لك المجد الى الأبد!

– أيها الطفل يسوع، الإبن العجيب، المولود من الأزل من أبٍ بغير أم، وفي الزمن من أمٍ بغير أب، حقّق سرّ ميلادك في العالم، في وطننا، في قلب كلٍ منّا، وكُنْ لنا بدء حياة جديدة. إقلعنا، يا رب، منّا، واطرحنا في الإنسان الكامل الذي يحيا فيك، من أجل غدٍ نسبحك فيه تسبيحًا أبديًا، لا ينتهي!

6 – وأختم كلامي الذي دفعتني إليه وقفتي أمام الرب يسوع في عيد ميلاده المجيد لهذه السنة 2022:

– بدعوتك، قارئي العزيز، الى رؤية يسوع المتجسد في العالم، في أنظمة بلدانه القانونية التي تخطّت السائد سابقاً، وتطوّرت باتجاه العدالة وتلبية حاجة المواطن، والى رؤيته أيضًا وخاصة في الكنيسة التي أسسها لتكون عيلة كبيرة على الأرض، وعروسه وجسده السريّ، شريعتها المحبة وحياتها الأسرار، وغايتها قيادة أبنائها، الشهداء والقديسين وجميع المؤمنين بالله، الى العيلة السماوية، حول عرش الحمل وشركة الله الثالوث الأقدس!

– وبنصيحتك ثانيًا، أخي وقارئي العزيز، بتلبية دعوته، دعوة يسوع المتجسد، الشخصية والأكيدة لك، تلبيتها بإيمانٍ تام وصادق، يعترف به خالقاً وحافظاً ومخلّصًا، وديّاناً في آخر هذه الأزمنة، وبرجاء ثابت، بتوسّل التوبة عن الخطايا، طريقاً آمناً يوصل الى الملكوت، الى الحياة الأخرى، السعيدة والأبدية، وبمحبة هي إتحاد به وعضوية في جسده الإلهي، تبدأ من هنا بتفضيل الخدمة على المنفعة في الأعمال والعلاقات الإجتماعية في هذه الدنيا!​

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل