من المرجح ألا يُدان أحد في جريمة قتل الجندي الايرلندي العنصر في الكتيبة الايرلندية العاملة في #الجنوب من ضمن القوة الدولية، على رغم طلب مسؤولين وسفراء تلقوا بأسى شديد قتل الجندي التحقيق وإدانة المرتكبين. تشاء المصادفات أن تصدر السفارة البريطانية في بيروت بياناً في جريمة مقتل ريبيكا دايس الموظفة في السفارة تشير فيه الى رفض محكمة التمييز ال#لبنانية الاستئناف المقدّم من طارق حوشية، مؤكدة إدانته بارتكاب جريمة القتل الوحشية في عام 2017 ومعربة عن امتنانها لجميع الذين أسهموا في الحل النهائي لهذه القضية بعد أشهر عدة من التأخير. والنقطة هنا ليست في نجاح تقديم متهم الى العدالة بل بحصول ذلك بعد أشهر كثيرة من التأخير. إن كان “حزب الله” حريصاً على تبديد الانطباع الذي يصعب جداً دحضه عن مسؤوليته وإن غير المباشرة في هذه العملية، فإنه قد يسهّل التحقيق من أجل الوصول الى المتهمين ومحاكمتهم علماً بأن الامر لن يكون صعباً لا على القوة الدولية ولا على مخابرات الجيش اللبناني في معرفة الفاعلين، فيما لبّ القضية يكمن في إجراءات تظهر جدية الحزب في دحض ربطه ومسؤوليته عن الموضوع. وتحمّل بعض الأصوات الصادرة من بيئة الحزب المسؤولية للدورية الايرلندية تحت عنوان ضرورة التزام العمل من ضمن منطقة عملياتها لا خارجها على غير ما ذهب إليه التأكيد للقرار 1701 في نهاية آب الماضي. فبدا الحزب أمام رسائل متناقضة من جانبه بين مسؤولين لديه يدرجون ما حصل في إطار الحادث العرضي والتبرّؤ منه وبين مسؤولين في بيئته يستغلون الحادث من أجل توجيه الرسائل السياسية للقوة الدولية وسواها أيضاً كما لو يتم تبني الحادث وتبريره كذلك. وهذا يفترض أن يربك الحزب لأنه يدحض منطقه أولاً كما يربكه الاتهام السياسي من غالبية الأطياف السياسية بمسؤوليته فيما هو يبسط سلطته على الجنوب ويحصي أنفاسه.
ومع أن الكثر يقولون إن الحزب لا يربكه أمر مماثل في المطلق ولا سيما أن الحوادث تقع، وهذا أحدها، فإن الجهد الذي يبذله الحزب في دحض مسؤوليته عن انزلاق لبنان الى القعر واستمرار انزلاقه وإسهامه إيجاباً في ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل واجه ويواجه تحدياً كبيراً. فالتعاطف كبير مع جندي شاب في مقتبل العمر يسهم في حماية الحدود اللبنانية مع إسرائيل ويُقتل قبل أيام من عيد الميلاد إذ كان يمكن اعتراض القافلة لو أزعجت “الأهالي” من دون إطلاق النار عليها وارتكاب جريمة قتل لو لم يكن ثمة رسائل مضمرة. فثمة مناخ تحريضي دائم يثير العصبيات ويعمّم الاتهامات وهو ما ينبغي تحمّل مسؤوليته كذلك، فيما الحزب لا تنقصه المبرّرات من أجل توجيه الرسائل في اتجاه الداخل أو في اتجاه الخارج كذلك، إذ إن عبارة “الأهالي” التي استخدمها الحزب سابقاً مراراً وتكراراً لتبرير اعتداءات على #اليونيفيل أو للاختباء وراءها يدفع استخدامها بالأمس الى استنتاج التوظيف من الحزب كذلك. ومن هنا لا يرى كثر أن الحادث محض مصادفة أو حادث عرضي أو يصعب تصديق أنه كذلك على الاقل انطلاقاً من أن أموراً مماثلة لا تحصل مصادفة بل يجري الإعداد لها أو تكون هناك جهوزية لاحتمالاتها في أسوأ الاحوال. وقد تلقفت بعض السفارات كالسفارة الأميركية هذا الاحتمال بوجود البعد السياسي لما حصل من خلال دعوة “الحكومة اللبنانية إلى التحقيق العاجل في هذا الهجوم ومحاسبة المسؤولين عنه ومنع حدوث مثل هذه الهجمات في المستقبل كما دعوتها الى تسهيل التعاون الكامل مع اليونيفيل، بما في ذلك تسهيل تحركات اليونيفيل داخل وخارج منطقة عملياتها، مع أو بدون مرافقة الأجهزة الأمنية اللبنانية، وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم ١٧٠١”. فيما لفتت البعض إدانة فرنسا المشاركة في القوة العاملة في الجنوب الهجوم على القوة الدولية فحسب وهي التي تقيم اعتبارات خاصة في هذا الإطار لوجود عناصرها على الارض أيضاً.
في المقابل، بذل القيّمون على السلطة من كل الجهات جهوداً من أجل احتواء الحادثة التي اهتز لها الجميع ولا سيما أن قائد الجيش العماد جوزف عون كان في زيارة الرئيس نجيب ميقاتي قبل ساعات من حصولها مطمئناً الى استتباب الأمن قبل عيد الميلاد وأثناء الأعياد. وعلى طريقة شعر طرفة بن العبد “ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد” باعتبار أن المنطقة الجنوبية مضبوطة والأنظار على المناطق الاخرى، اهتز البلد على وقع إطلاق النار على جنود من الكتيبة الايرلندية وقتل أحد العناصر وإصابة آخرين. ويعرف الجميع كيف بات تمرير التمديد للقوة الدولية العاملة في الجنوب لا يمر سنوياً، ولا سيما في الاعوام الماضية، من دون اعتراضات أو رغبة في إجراء تعديلات كبيرة ونوعية فيما قد يشفع قليلاً أن الحادثة سيكون مرّ عليها وقت طويل قبل إعادة طرح التمديد للقوة الدولية، والمفاوضات السابقة في مجلس الأمن لحظت اعتراضات دولية على وجود أسلحة خارج سلطة الدولة تعود لـ”حزب الله” في الجنوب وتثير في المقابل اتفاقات سابقة مع الدولة اللبنانية تسمح للقوة الدولية بالتحرك بحرية خارج نطاق عملياتها.
نقطة الاعتراض القوية التي طاولت الحزب في التعليقات التي حصلت والتي خرجت عن المألوف من جانب وزراء على نحو نادر، أن البلد لم يعد يستطيع تحمّل المزيد من الغرق في ظل فقدان الثقة المفقودة أصلاً به إزاء اتهامه بتنفيذ أجندة خاصة لا وجود لمصلحة لبنان فيها وبات يواجه تحدياً في بقائه عبر المجاهرة برفض ذلك وعدم التسليم به وفضحه متى كان ذلك ممكناً. وهذا هو جوهر الخلاف أصلا لأطراف كثر مع الحزب.