الوحدة الوطنية حول التفرد
قد يتساءل المرء، مثلما فعل بعض السياسيين اللبنانيين عن سذاجة مقصودة وأحياناً خبيثة، حين سألوا: ما النفع من كل هذا السجال الكلامي واللغوي حول البيان الوزاري في لبنان، وحول النص المتعلق بالمقاومة واستمرارها وإصرار «حزب الله» عليه، وحول النص الإضافي الذي أرادته الأكثرية وقوى 14 آذار في توخي الإصرار على دور الدولة في مقاومة الاحتلال والاستراتيجية الدفاعية وصولاً الى حصر السلاح بها مع القرار في شأنه؟ فالبيانات الوزارية اللبنانية هي مجرد عملية إنشائية ولغوية درجت العادة على ألا ينفذ منها شيء، وكل البيانات الوزارية متشابهة منذ الاستقلال، وفيها بنود تتكرر على مر العقود لأنها لم تجد طريقها الى التنفيذ.
وثمة حجج عدة سيقت في مجال «الاحتجاج» على التأخر في صوغ البيان الوزاري. منها ان ما الفائدة من اصرار «حزب الله» على الحصول على نص حول حصر مواجهة الاحتلال بالمقاومة من دون غيرها، ومن دون الدولة، ومن دون إعطاء الأخيرة حق القرار والتنفيذ في الاستراتيجية الدفاعية، طالما ان القدرة على الحركة العسكرية على الأرض محصورة به فعلياً، وأن السلطة العسكرية التابعة للدولة ليست في وارد الصدام معه أو الأخذ من سلطته ومن قدرته على المواجهة العسكرية مع اسرائيل؟ وهي حجة تنطبق على موقف الأكثرية ايضاً. فما نفع الإصرار على ان يقترن النص حول حق المقاومة بحق الدولة في حصرية السلاح لاحقاً، ما دام امر اندماج القدرات العسكرية للحزب بالدولة وتحت إمرتها مسألة ليست قريبة لأنها مرتبطة بالوضع الإقليمي وبالتفاوض الإيراني – الأميركي، والتفاوض السوري – الإسرائيلي وانتهاء كل من المسارين الى تسوية أو صفقة ما، ولا دور للفرقاء المحليين والدولة اللبنانية في ذلك، وفق تلك الحجة؟
وإذا كانت هذه الحجج صحيحة، فإن اصحابها يرمون من ورائها الى تبرير مطالب فريق وحجب حق فريق آخر في طرح ما يراه على برنامج «حكومة الوحدة الوطنية»، التي تفترض توازناً في طرح المطالب وفي صوغ البرنامج بطريقة متساوية بين مكوناتها. لكن ميزان القوى العسكرية في البلاد هو الذي يتحكم بالصيغة بنتيجة ما حصل في أيار (مايو) الماضي من هجوم لـ «حزب الله» وحلفائه على بيروت والجبل. وبدل استخدام «السلاح للدفاع عن السلاح»، فإن ما استخدمته المعارضة في مناقشات البيان الوزاري هو هيبة السلاح الذي استخدمته. وإلا ما الذي يجعل الفريق الذي يؤخر إقرار البيان الوزاري قادراً هكذا على اتهام الفريق الآخر بتأخيره وعلى شل انطلاقة الحكومة والعهد الرئاسي الجديد، مرة أخرى؟
لكن الأمر أعمق من ذلك. فالسؤال الأساس هو المتعلق بأسباب رفض فريق المعارضة الاستجابة لاقتران تكريس حق المقاومة في استكمال تحرير الأرض المحتلة، بحق الدولة في ان تكون لها كلمتها ودورها في هذه المقاومة، على رغم ان الحكومة التي تتم مناقشة برنامجها هي حكومة وحدة وطنية، للمعارضة فيها الثلث وتستطيع «تعطيل» أي توجه لهذه «الدولة» المفترضة، لا يتلاءم مع مصلحة المقاومة؟ ألم تكن المطالبة بالثلث المعطل تهدف الى الحصول على ضمانة بعدم تفرد فريق الأكثرية في خيارات إقليمية تتماشى مع المشروع الأميركي – الإسرائيلي؟ أم ان ضمانة الثلث المعطل ليست هي المراد؟ لقد أوحى «حزب الله» في رفضه النصوص التي تم تداولها حول دور الدولة الى جانب المقاومة في مواجهة الاحتلال، على رغم حصوله على ضمانة الثلث «الضامن»، أنه يفضل الإبقاء على حصر القرار به في شأن السلاح والمقاومة، لكنه يفضل قيام «وحدة وطنية» حول تفرده… وإلا ما الذي يفسر الحديث عن عدم الحاجة الى إجماع وطني تارة والحاجة الى هذا الإجماع تارة أخرى؟
كشف النقاش ان لسلاح المقاومة وظائف عدة. فالمقاومة فضلاً عن انها لن تغامر بشن حرب على اسرائيل في المرحلة المقبلة، قبلت بصيغة استعادة مزارع شبعا بالوسائل الديبلوماسية… فسورية نفسها تسعى الى استعادة الجولان بهذه الوسائل. وإذا عاد الجولان عادت المزارع. ثمة وظيفة للسلاح هي ان يبقى على جاهزيته في انتظار انتهاء ولاية الرئيس جورج بوش لتثبيت أي اتفاق سلام سوري – اسرائيلي محتمل. وثمة وظيفة له بأن يكون ورقة ضغط في يد ايران في حال رجح احتمال الصدام الغربي معها، وورقة تفاوض قوية في حال رجح خيار التفاوض حول ملفها النووي. وثمة وظيفة محلية هي حاجة حلفاء الحزب المحليين الى غطائه في استخدامهم السلاح لتعديل موازين القوى في الانتخابات النيابية المقبلة… والبعض يرى ان ثمة وظيفة أخرى لهذا السلاح، هي إضعاف «حزب الله» نفسه…