#dfp #adsense

طلابنا يسألون: أين أصبح مستقبلنا؟

حجم الخط

كتبت غرازييلا فخري في “المسيرة” – العدد 1735

طلابنا يسألون: أين أصبح مستقبلنا؟

من البقاع الشمالي: إدعمونا نفسيًا

الثامنة إلا خمس دقائق… قُرع الجرس ورُصّت الصفوف، شباب وشابات في سنواتهم الدراسية الأخيرة قبل الدخول الى الجامعة، يتلون صلاة الصباح للبدء بيومهم الدراسي. ننظر الى هذه الوجوه الشابة… نتأملها… نبحث فيها عن ضحكةٍ غائبة يفترض أن تزينها فلا نجدها… عيون ضائعة تهيم في الفراغ، خلفها تضج أفكارٌ وأفكار، تلقي بظلها على أكتافهم، فنراها متراخية على جسد يسير بخطوات متثاقلة، وكأنه يحمل هموم الدنيا بما فيها. نعم، إنهم أولادنا اليوم. أولادنا المفترض بهم أن يحلّقوا عالياً، للوصول الى أهدافهم في بناء مستقبلهم، الذي يسألوننا عنه أين أصبح؟ وهل سيستطعون بناءه في ظل ما نعيشه من أزمة اقتصادية وسياسية وازدياد الصعوبات المعيشية يوماً بعد يوم؟؟ وما هو الأثر النفسي الذي ستتركه هذه الأزمة مطبوعاً بداخلهم مع شعورهم الدائم بالخوف والقلق بعد أن وجدوا أنفسهم أكثر بعداً عن أحلامهم؟؟؟

في هذا الإطار، قامت إدارة إحدى الثانويات في منطقة البقاع الشمالي بإستبيان لطلابها تخلله سؤال يقول: «لو كنت أنت مديراً لهذه الثانوية ماذا تحسّن بها؟» وكانت نتيجة هذا الإستبيان صادمة وملفتة للنظر في الوقت عينه، حيث أضاءت على الوعي الكبير لدى الطلاب لما يعيشونه ويعانون منه، بمطالبة حوالى 70 في المئة منهم بدعم نفسي لمساعدتهم على تخطي هذه المرحلة الصعبة التي يمرون بها.

مما لا شك فيه أن أسلوب حياة العائلة اليوم في لبنان تغيّر كثيراً، فالتضخم المستمر وانهيار قيمة الليرة اللبنانية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، دفع بحوالى 84 في المئة من العائلات الى عدم القدرة على تأمين ما يكفي من المال لتغطية النفقات الأساسية التي أصبحت تفوق قيمة دخلهم الشهري، بحسب تقرير أعدته منظمة اليونيسف، وبات من شبه المستحيل على رب العائلة تأمين ما يحتاج إليه أبناؤه ولم يعد يستطيع تلبية رغباتهم، مما انعكس سلباً على نفسيتهم، وأصبحوا يعيشون همّ تأمين قوتهم اليومي فقط، بعيداً عن الرفاهية التي اعتادوا عيشها.

هذا ما أكد عليه بطرس القزح، رب عائلة مؤلفة من ستة أفراد كانوا يعيشون برفاهية وبحبوبحة مادية تسمح له بتأمين جميع متطلبات أولاده الأربعة. ولكن اليوم، لم يعد بإستطاعته ذلك مما انعكس على واقعهم المعيشي، مثل كثير من العائلات اللبنانية، وسبب إحباطاً نفسياً كبيراً إنعكس على الواقع العائلي والعلاقة مع الأولاد، فخف الحوار فيما بينهم واصبح كل واحد منهم يعيش الأزمة بعالم خاصٍ به، تتراكم فيه المشاكل اليومية الحياتية، فيقف عاجزاً عن حلها، مما زاد من العصبية في التعامل بين أفراد الأسرة الواحدة، على الرغم من محاولته إبعاد شبح هذه المشاكل عن أولاده ولكنهم يسمعونها في أحاديثه المتكررة عن الصعوبات التي يواجهها في تأمين حاجات عائلته، وحيرته في تأمين مستقبلهم الدراسي والجامعي في ظل ما يعانيه القطاع التعليمي من ضغوط خصوصًا الجامعة اللبنانية التي تُعتبر الملجأ الوحيد للعائلات ذات الدخل المحدود، مما خلق أزمة جديدة في عدم وجود أي رؤية بالتخطيط لمستقبلهم، وشكل مصدراً جديداً للقلق ألقى بظلاله السلبية على نفسية أولادنا، ورتب تداعيات جديدة خصوصًا على العائلات التي لم تعد قادرة على تحمّل الأقساط وتكاليف المواصلات من والى المدرسة، وخصوصاً في منطقة ريفية كمنطقتنا.

لم تستثنِ الأزمة الاقتصادية التي نعيشها قطاع التعليم، يقول رئيس دائرة البقاع الشمالي في مصلحة الطلاب في «القوات اللبنانية» شربل حبشي، ولم يعد بمقدور عدد كبير من الأهالي تسجيل أولادهم في المدارس حتى الرسمية منها، فالأمر لم يعد يقتصر فقط على تأمين الأقساط المدرسية بل أيضاً على التنقلات التي باتت بحاجة الى ميزانية خاصة، لا سيما مع الإرتفاع الخيالي لأسعار المحروقات، عدا عن المستلزمات الدراسية من قرطاسية وحاجات لوجستية من كهرباء وإنترنت، مما ترك اثاراً سلبية على الطلاب.

كما لا يمكننا فصل الأساتذة في المدارس عن الواقع المعيشي الذي نمر به، فبعد أن كان مستوى الأستاذ خلال السنوات الماضية مقبولاً ويتقاضى معاشاً مرتفعاً، أصبح هو أيضاً يعيش همّ تلبية حاجات عائلته، يكمل حبشي، هذه العوامل جميعها أرخت بظلالها على الحالة النفسية وبات التواصل بين الطلاب وعدد معين من الأساتذة شبه معدوم، بل في بعض الأحيان يصل الى حد الإيذاء النفسي للطالب بسبب التعابير التي يتم إستخدامها من قبل بعض الأساتذة بحسب ما يخبرنا الطلاب خلال لقاءاتنا معهم، وهذا الامر ليس مقبولاً قيامه واستمراره في سنة 2023 حيث كل شيء يتطور من مناهج وطرق تعليمية حديثة أن يبقى هناك أساتذة يتعاملون مع الطلاب بطريقة تعود الى عشرين سنة للوراء، لذلك علينا اليوم مسؤولية التواصل مع إدارة المدراس كي نخلق صلة وصل لمعالجة هذا الصراع القائم بين الطلاب وعدد من الأساتذة لما فيه خير الإثنين، بعيداً من التمييز بين الطلاب المجتهدين والآخرين المتعثرين. ونحن اليوم في دائرة البقاع الشمالي نولي هذا الأمر أهمية كبيرة على الصعيدين الأكاديمي والنفسي، ونعمل لتأمين ما يلزم بهذا الخصوص. وهنا لا بد من

الإشارة الى الدور المهم الذي لعبه مغتربو المنطقة بالوقوف الى جانب الطلاب السنة الماضية خصوصًا من الناحية المادية والنفسية، مما انعكس إيجاباً على الطلاب الذين شعروا بأن هناك من يهتم بهم وبحاجاتهم، آملين منهم أن يستطيعوا متابعة دورهم الفعّال في هذه الناحية.

سرينا عماد طالبة في السنة الثانية ثانوي علمي تقول: «أزمة كورونا التي استمرت لاكثر من عامين كان لها تأثيرها على العائلة، حيث قرّبت أفراد بعض العائلات من بعضهم البعض، مقابل خلاف بعض العائلات الأخرى لا سيما بين الزوجين مما انعكس على نفسية الأولاد وأخذ منهم طاقتهم الإيجابية، وبالتالي لم يعد لديهم طاقة ورغبة بالدرس. بالإضافة الى الوضع الاقتصادي الذي نعيشه اليوم مما دفع بالعديد منا الى إعادة التفكير بمستقبله وتحجيم أحلامه بما يتلاءم مع واقعه المادي، كما أن بعض الأساتذة يساهمون أيضاً في حالة الإحباط التي نعيشها، حيث قال لنا أحدهم إن هذه السنة صعبة وأنتم لن تستطيعوا النجاح بها. هذا بحد ذاته كافٍ لإحباط أي تلميذ يقاوم ليستمر وتفقده الأمل في إمكانية تحقيق أحلامه. اليوم أصبحت المدرسة عند البعض منا كابوساً يريدون التخلص منه بأسرع وقت، خاصة في بعض حالات التنمّر التي يتعرضون لها من قبل بعض الأساتذة من دون أي مراعاة لواقع التلميذ الذي يعرفونه جيداً، أكان فُقراً أو يُتماً أو غيرهما من الظروف، فالتنمّر لا يقتصر فقط على الأولاد بين بعضهم وإنما يمتد الى من يفترض بهم أن يكونوا لنا قدوة ومثالاً نحتذي به في حياتنا، وهذا لا يعني أنه لا يوجد أساتذة جيدون يدعموننا، ولكننا بحاجة لمن يسمعنا ويسمع مشاكلنا ويساعدنا على مقاومتها وعدم الغرق بها».

ـ ما باتريك حبشي طالب في السنة الثالثة ثانوي فيقول: «إنه  على الرغم من جميع الصعوبات التي يمر بها بلدنا وعائلاتنا، لا سيما في المناطق المحرومة مثل منطقتنا، لا يسعنا إلا العمل على تحقيق طموحاتنا  وأحلامنا، فلا بد من أن يأتي الربيع بعد الشتاء، فكما تخطى أهلنا وجدودنا الصعوبات نستطيع نحن أيضاً تخطيها، فمن لديه عزيمة وإرادة لتحقيق حلمه لا شيء سيمنعه. وهذا هو الهدف من طلب الدعم النفسي للطلاب، لتشجيعهم وإعطائهم حافزاً وعزيمة كي يثابروا لتحقيق أحلامهم ليصلوا الى هدفهم. وهذا الدعم لا يفيد الطلاب فقط ولكنه مطلوب أيضاً على صعيد الأساتذة الذين يعيشون تحت ضغوط معيشية كبيرة مما أثر على جودة أدائهم التعليمي للطلاب».

ويرى جورج القزح طالب في السنة الثالثة ثانوي أن علاقة الطلاب بين بعضهم البعض لها تأثير نفسي كبير، حيث يكون أحد الطلاب يسير في الطريق الصحيح، فيأتي رفاقه ويغيّرون له طريقه فيضيع مستقبله، أو لا يقبلونه بينهم لأنه ليس مثلهم فيبقى وحيداً لا أصدقاء له، لذلك الدعم النفسي هو حاجة أساسية لمساعدتنا على اختيار الطريق الصحيح الذي يجب أن نسلكه. كما أن تغيير المستوى المعيشي للطالب الذي كان أهله لا يرفضون له طلبًا تغيّر واصبح اليوم يواجه رفضًا أو تأجيلاً متكررًا لطلباته ما أثر كثيراً عليه بشكل عام وعلى أدائه المدرسي بشكل خاص.

في المحصلة، لقد رتبت الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي نعيشها أعباءً نفسية على جيل المراهقين من أبنائنا، لا سيما أولئك الذين يستعدون لبدء تحصيلهم الجامعي حيث يشكل الهاجس الاقتصادي عائقاً على درب طموحاتهم، ويدفع بهم الى طريق غير راغبين به ولا راضين عنه، مما سيدفع بهم الى الإكتئاب ومحاربة النفس. فهل نسمع صرختهم؟؟؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل