لم تحمل الأخبار الآتية من مصر «تصرفاً» على قدر المأساة المفجعة التي تابعناها عبر شاشات التلفزة، فالمجلس العسكري أخرج من كمّه فجأة ومن دون مقدّمات ورقة «المؤامرة الإسرائيليّة»، وهذا الكلام لا يعني إلا هروباً إلى الأمام، بدلاً من حلّ جذري لقضيّة نتمنّى أن تكون قضيّة المجتمع العربي بأكمله بمسيحييه ومسلميه، فقدرُ هذه المنطقة في الشرق أن تكون أرض الرسالات السماوية والأديان وتجاورها وتحاورها وعيشها المشترك.
ما تناقلته بالأمس المواقع الإخباريّة منسوباً إلى الأجهزة الأمنية في مصر، مرفوض جملة وتفصيلاً من أي مواطن عربي بصرف النظر أكان مسلماً أم مسيحياً تابع الأحداث عبر الشاشة ومن خارج مصر، فالحديث عن «حال تأهب القصوى بطول الحدود الشرقية مع إسرائيل وذلك لمنع عناصر إسرائيلية، ساهمت في قنص مصريين خلال أحداث ماسبيرو من الهروب»، هو ضحك على العقول والذقون ودماء الضحايا، وعلى مصر وحاضرها ومستقبلها، وتسريب الأجهزة الأمنية أنّ «الرصاصات التي استخرجت من الضحايا أكدت أن قناصة استخدموا نوع من الذخيرة والبنادق الآلية الإسرائيلية الصنع، وهي أسلحة سبق أن استخدمت ضد ثوار 25 يناير وتسببت في مقتل العشرات منهم قنصاً»، كلام غير مقبول وسؤاله البديهي: ما دام الجيش المصري أدرك هذه المؤامرة الإسرائيليّة الخبيثة لماذا لم يطلع الشعب المصري عليها في حينه؟ والسؤال البديهي الثاني: «لماذا يُحاكم إذن الرئيس السابق حسني مبارك، ووزير الداخلية السابق حبيب العادلي بتهمة قتل المتظاهرين، ما دام من قتلوا برصاص قنص إسرائيلي لا مصري؟»، ولماذا رفض أهالي الضحايا استلام جثامين أبنائهم ما دامت التقارير الطبية التي صدرت ذكرت أن سبب الوفاة «هبوط حاد في الدورة الدمويّة»، فيما تسّرب تقرير طبي أقرب إلى واقع شاهدناه يتحدث عن «جثث ضحايا ماسبيرو «مهروسة» والعظم مطحون»!!وكيف يفسّر المجلس العسكري تورّط «تلفزيون الدولة» الخاضع لسلطته في التحريض على الأقباط، وكيف يفسّر لنا نحن المشاهدون العرب مشهد «مدرعات» تطارد المواطنين وتقتحم الأرصفة وتهرس المدنيين وأي نوع من الجنود هو هذا الذي يقود مدرعة ويقتل الأبرياء وكأنه يقود لعبة!!
من المعيب أن يكون أقباط مصر عاشوا خلال حكم محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة من الفترة 1805 إلى 1849 في ظل إلغاء كل الأحكام العثمانية ضد أقباط مصر بل وسمح لهم ببناء كنائس جديدة وسمح أيضا لهم بحمل السلاح والانخراط في جيش مصر وتعينهم باكوات في الجيش بل مديرون لمناصب عليا كان أعلاها المباشر وهو يوازى منصب وزير المالية الآن»، وأن يضيف حكم سعيد باشا من 1854 إلى 1863 إلى قرارات جده إلغاء الجزية 1855 وساوى في الخدمة العسكرية لكل المصريين.
معيب بحقّ مصر والمصريين أن يعيش أقباط مصر اليوم في ظلّ الشروط العشرة لبناء الكنائس في مصر بحسب قانون فبراير 1934 الذي وضعه العزبي باشا وكيل الداخلية في حكومة عبد الفتاح يحيى باشا !!
حان الوقت لفتح باب المصارحة بين المسلمين والمسيحيين، إن مجرّد الوصف الأميركي للأقباط بأنهم أقليّة مرفوض، فهم الجزء الأصلي من حبكة النسيج المصري الوطني، ولم يعد من المقبول أن تخرج من بين المسلمين أصوات تنتحب على عصر الخلافة وتحلم باسترجاعه، في وقت أصبح فيه المسلمون فرقاً كثيرة، ولم يبقَ لهم إلا وهم أخطاء كبرى ارتكبتها على مرّ العصور ممالك وإمبراطوريات بحقّ مسيحيي المنطقة، أخجل عندما أقرأ كلّ الإهانات التي تعرّض لها مسيحيو المشرق على أيدي حكام مسلمين أمعنوا في إذلالهم وإهانة إنسانيتهم، بالاستناد إلى فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تمتّ إلى الإسلام بشيء…
حتى «العهدة العمريّة» التي وعلى مرّ العصور خرجت أصوات تتحدّث عن عدم الوثوق بنصها كما وصلنا ـ على اعتبار تعرّضها لتحريف ـ فقد اتفق الدارسون والمؤرخون أن نقطة واحدة هي مثار الخلاف تتعلق بعدم إسكان اليهود في بيت المقدس ـ ربما علينا كمسلمين أن نعتذر كثيراً عن كلّ المرات التي أهين فيها إخواننا في الإنسانية والوطن والعيش والجيرة في القرون السابقة إلى كلّ هذه الانتهاكات الإنسانية، التي لا يوجد عليها دليل قرآنيّ ولا نصّ نبويّ، وإن نص معاهدات حرب أو صلح أو استسلام على ما نقله لنا التاريخ فهو يخضع لمنطق الغالب والمغلوب في حربٍ بين طرفين، دفع ثمنها دائماً مسيحيّو الشرق!!
محزن جداً ما حدث في مصر، وإن لم يوضع قانون حقيقي لبناء دور العبادة في مصر ومن دون أدنى تضييق أو شروط على أقباطها وفي أسرع وقت سيبقى بإمكان أي مدّعي «مشيخة» في أقاصي الصعيد المصري في قرية صغيرة بالكاد سمعنا بها منذ أسبوع فقط قادر على إشعال حرب طائفيّة في مصر!!
قد لا يجرؤ المجلس العسكري على مواجهة السلفيين، فهم أبطال هذا المشهد من وراء ستار النيران الموقدة، وبصدق شديد وكمسلمة أقول، حاولت لأوّل مرة بالأمس أن أجد نصاً واحداً من القرآن أو السُنّة يمنع بناء الكنائس، لم أجد، ما وجدته أصابني بالذهول، فما أكثر ما ألف في الأمر وكلّه تحت عنوان «إجماع العلماء»، ولم أقرأ في أسماء هذا الإجماع إلا أسماء ثلاثة: «ابن تيميّة، الذي أورثنا فكره وتشدّده وتكفيره، تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، وابن باز، وتقي الدين السُّبكي»!!
حان الوقت للجلوس إلى طاولة مصارحة وإخاء، نحن نعيش في كنف دولة مدنية، ومجتمع أهلي، ومن المعيب أن نترك الظلاميين يتحكمون برقاب عصرنا، على الأقل، حان الوقت ليكشف الجميع أوراقه تحت سقف وطن مشترك وهوية مشتركة، وإلا كلّ هذه الثورات ضد الديكتاتوريات والطغيان في العالم العربي ستقودنا إلى طغيان أكبر، و»يا محلى طغيان العسكر أمام طغيان الذين ينصّبون أنفسهم محاسبين للبشر قبل أن يحاسبهم الله»!!