منذ العام 1943، ولادة الاستقلال الاول، وحتى العام 1968، بدء التغلغل الفلسطيني المسلّح في شتّى نواحي الحياة في لبنان، كانت الخلافات السياسية بين الاحزاب والقيادات اللبنانية تتمحور في معظمها حول القضايا الداخلية، باستثناء مرحلة احداث العام 1958، التي دخل العامل الاجنبي فيها من باب انتشار المدّ الناصري في العالم العربي، وقيام الوحدة بين مصر وسوريا من جهة، ونجاح الانقلاب البعثي – الشيوعي في العراق من جهة ثانية، وتأثير هذين الحدثين على الداخل اللبناني، ولكن مع انطلاقة المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد الكيان الاسرائيلي من الاردن اولاً، ثم من لبنان، واجبار الدولة اللبنانية على توقيع اتفاق يسمح للفلسطينيين القيام بعمليات عسكرية، انطلاقاً من منطقة العرقوب التي سمّيت الى فترة طويلة باسم «فتح لاند» نسبة الى حركة فتح اكبر الفصائل الفلسطينية يومها واقواها تسليحاً، دخل لبنان في شكل كامل في دوامّة الصراع الدولي الدائر بين الاتحاد السوفياتي والعالم الغربي، كما دخل حلبة الصراعات العربية – العربية التي كانت بدورها جزءاً من الصراع الدولي ونتائجه، ودفع لبنان غالياً جداً ثمن هذه المرحلة الجهنمية التي امتدّت من العام 1973 وحتى العام 1991 حين توقف المدفع على تراجع كبير في السيادة والحرية والاستقلال، وعلى دمار واسع في مختلف المناطق اللبنانية، بالاضافة طبعاً الى سقوط مئات الوف الشهداء والجرحى والمعوقين، وهجرة مئات الوف اخرى من الشباب اللبناني الى اقاصي دول العالم.
هذه الفترة المظلمة والمؤلمة من تاريخ لبنان، يحاول البعض اليوم ان يستحضرها كأجل محتوم، ويبشّر بأن لبنان ذاهب اليها بقدميه، ومعتبراً ان مسار الامور يؤشّر الى حتمية وقوع الحرب، واللافت ان الفريق الذي ينعى لبنان في شكل شبه دائم، هو الفريق الحاكم وحيداً اليوم، بعد ان كان حاكماً ومعارضاً في الحكومات التي تشكلت بعد انتفاضة العام 2005، ويفترض به ان يعمل المستحيل ليبقى في الحكم، ويبقى لبنان بمنأى عن اي خلاف او مواجهة مع الدول العربية ومجلس الامن والمجتمع الدولي، ولكن الواقع على الارض، يدلّ على ان هذا الفريق، عن قصد او عن جهل او غباء منه، يخلق يومياً الظروف المؤاتية التي من شأنها ان تجرّ لبنان الى الكارثة التي لطالما تكلم عنها وتنبّأ بها، ويكفي للدلالة على صحة هذا التوصيف، ايراد بعض الحوادث التي شهدها لبنان منذ فترة وما زالت تجرّ ذيولاً حتى اليوم.
* * * * *
لا داعي للدخول في تفاصيل السمعة السيئة التي «فاز» فيها لبنان في المحافل الدولية والعربية، عند خطف السياح الاستونيين وبعض الشخصيات السورية، والتي استغلت الى اقصى الحدود من اسرائيل ومن اعدائنا للقول بأن لبنان عاد من جديد ساحة سائبة يمكن بواسطتها خطف الاجانب والعرب غير المرضى عنهم وذلك لدوافع مالية ربما، او لاهداف سياسية ايضا، كما ان التحريض الدائم على قوات الطوارئ الدولية، وانها ستدفع الثمن عند اول اشتباك مع هذه الدولة او هذا الحزب، حوّل هذه القوات التي اتت لتساعدنا، الى فريسة معرّضة في اي وقت للقتل والاعتداء وربما التهجير. امّا الموضوع الاكثر بشاعة من الموضوعين السابقين، فهو التهديدات التي طالت مؤسسات الامم المتحدة الانسانية مثل منظمة الاسكوا التي يعرف معظم اللبنانيين، ان لم يكونوا كلّهم، ان لها أيادي بيضاء في لبنان، في مجالات التربية والثقافة والتنمية والتدريب، وهي بفعل هذه التهديدات المجرمة قد تغلق ابوابها في لبنان، لتفتحها في دول اخرى على استعداد لاستقبالها بأي ثمن، واذا كان الشيء بالشيء يذكر، فان مدينة الاعلام وما تضمّ من محطات تلفزيونية واذاعية ومكاتب صحافية، وغير ذلك الموجودة في امارة دبي، كانت من نصيب بيروت بسعي ودعم من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لولا عقبات الخوّة والارتزاق التي فرضها في التسعينات بعض مسؤولي النظام الامني، فهربت منهم الى دبي التي فتحت لها ابوابها واسعة.
امّا الموضوع، الاكبر خطراً على لبنان، فهو موضوع تمويل المحكمة الدولية، ولم يعد خافياً لكثرة ما دار حوله من كلام واحاديث وتحذيرات، ان تمنّع لبنان عن تسديد ما يتوجّب عليه من اموال لهذه المحكمة، هو ملزم بها، بموجب اتفاق بينه وبين مجلس الامن الدولي، سيعرّضه الى عقوبات لا يمكن ان تنتهي الاّ بتحويله الى دولة فاشلة، والدول الفاشلة كما هو معروف، تفقد استقلالها وسيادتها وقرارها الحر وتوضع تحت وصاية مجلس الامن، وهي في وضعها هذا، تشبه المؤسسة التي تعلن افلاسها، وتتم الاجراءات المناسبة بحقها لتنفيذ التفليسة، فهل هذا هو المصير الذي يريده الغيارى على لبنان، كما يقولون، خصوصاً ان هؤلاء، وهم في وسط مواجهة كبيرة وخطرة، مع جهات قوية ومؤثرة وتملك الشرعية الدولية، لم يحاولوا سابقاً، ولا يحاولون اليوم، ان يحصّنوا الوضع الداخلي باقامة شبكة امان مع افرقاء الداخل، بل يستمرون في عدائيتهم وتحدّيهم واتهاماتهم واخطائهم، تحت شعار انهم الأفهم والاكثر وطنية، ولا يخطئون، والاّ لماذا السكوت والتمادي في التغاضي عن انتشار السلاح في جميع المناطق وفي شكل مخيف، بحيث أصبح الأوادم يخافون على ارواحهم وارزاقهم واملاكهم من سيطرة الزعران على مختلف قطاعات الحياة، في الليل والنهار وفي جميع فصول السنة، وفي هذا المجال اصبح و اضحاً وقاطعاً بأن رفع الغطاء العلني عن الممارسات الشاذّة، انما هو لذرّ الرماد في العيون، لأن موجات الاجرام تتوالى فصولاً وجرأة، ولا تأخذ في حسابها، محاسبة او عقاباً.
هذه العوامل جميعها، هي خريطة طريق اندلاع الحرب مجدداً في لبنان، كما كان للحرب الاولى خريطة طريق تتشابه معها في بعض جوانبها، ويحضرني في هذا المجال قول وجّهه الشاعر الكبير نزار قباني الى الذين مدّوا اصابعهم الى لبنان في اعوام السبعينات، لاحراقه وقتله، اختصر فيه المأساة اللبنانية: انكم ستقتلون لبنان… وتندمون.
ما اشبه اليوم بالامس.