
“العتمة السياسية” التي اشتدت في السنوات المنصرمة، تبدو مستمرة في العام 2023. أقصى التفاؤل انفراجات محدودة، لن تُحدثَ تغييراً نوعياً ومستداماً. الانهيار في مؤسسات الدولة، وفي مكامن قوة لبنان ونهضته، يومياً تحت الضوء، لكن ثمة “عتمة” مَخفِية ومُخيفَة، تَسَبَّبَ بها سواد أعظم من صحافيين ووسائل إعلام. مع “17 تشرين”، وبعده، طغى منطق “الدكانة”، وتهشَّمت قواعد التحرير الصحفي، والأخلاق الإعلامية. أصحاب قنوات ومواقع سياسية وقعوا في أفخاخ متبادلة، وفتحوا الهواء، من دون وازع فعمت الهستيريا المدمرة. بدلاً من أن يكون الإعلام قوة نحو التغيير، تحوَّل “دراكولا”، يعض الناس في رقابهم ويُحوِّلهم بدوره، وكما في الأفلام، الى “دراكولات” على شاكلته.
وهذا “الدراكولا” الإعلامي، على شاكلة “الزومبي” إي الموتى الأحياء، أسهم في إنتاج عدداً من “الزومبي” في البرلمان. وعلى الشاشات، من كان شبه صحفي أو مُخبر ارتاح الى دور المُنجم “النجم”.
وبوقاحة ما بعدها وقاحة، كاد يقول علانية أصحاب الدكاكين وموظفوهم: هذه أسعارنا. بعض المواقع وصل بهم الرخص إلى استنساخ دكاكين ال one dollar. البحث عن تمويل له أحياناً ما يبرره، وماضياً اقترن الى حد معين بقواعد المهنة. هذه ” العتمة” وهذا العمى المهني، لم يوضعا تحت الضوء بما يكفي. فالصحافي لا تعفيه محاسبة غيره من محاسبة نفسه. من يشاهد ويسمع مقدمات نشرات الأخبار، يلحظ “الانهيار الإعلامي”. العام 2004 كنت في دورة تدريبية في “بي بي سي” لندن، عنوانها TTT وفحواها (كيف تُدَرِّب المُدَرِّب).
وكاد يُغمى على أحد أساتذتي الإنكليز عندما شرحت له أن نشرات الأخبار عندنا تبدأ بمقدمة، فيها رأي وتحليل وتوجيه! ما نسمعه اليوم من مواضيع الإنشاء والنحيب والنقد الرخيص في مقدمات نشرات الأخبار يُعَبِّر تماماً، عن “الانهيار المهني”، الذي يعكس انهيارات متنوعة، فالمصائب لا تأتي فُرادى! في كل المؤسسات “أبناء مهنة”، فهل بذلوا جهداً للحد من هذا التهريج المأسوي؟ يجتمع أحياناً أصحاب الإعلام لسبب أو لآخر، فهل كانت المصائب التي تسببوا بها والفضائح المهنية التي جلبوها إلى أنفسهم ، موضع نقاش؟ أكان “الإستلشاق” أو الغباء أو ركوب الموجة، وراء هذه ” السقطة”، النتيجة المؤكدة، أن من رسالته أن يفتح عيون الناس وعقولهم، غارق حتى أذنيه في “عتمات”. 2023 تبدو سنة مُستعادة، والسؤال إلى أي حد؟