
كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1736
ينحى بعض منظّري «حزب الله» إلى تقديس عنوان «المقاومة» والتعاطي حياله بين تحريم من هنا وتحليل من هناك، من دون أي وازع ميثاقي أو رادع دستوري وقانوني. والمقاومة المزعومة لا هي لبنانية ولا هي وطنية، وحتى ليست إسلامية كما يدّعون، ولا حتى أيضا شيعية، بل مذهبية في جانب وتعبّر عن جزء من الشيعة باعتبار أن لحركة أمل مقاومتها، واسمها اختصار لـ «أفواج المقاومة اللبنانية»، فضلا عن وجود حالة اعتراضية لدى شرائح من الشيعة المستقلين أو العلمانيين أو من أنصار العقائد اليسارية والقومية..
فالمقاومة التي يجيز «حزب الله» لنفسه التصرف باسمها هي مقاومة حزبية مذهبية دينية متزمّتة لا تقبل في صفوفها إلا من يخضعون لعقيدة الحزب وشروطه، وهي مقاومة ترتبط بالولي الفقيه والمرجعية الإيرانية، وهذا ما أكد عليه السيد حسن نصرالله مرارا واصفا نفسه بالجندي في جيش الولي ومفاخرا بأن تمويل «حزب الله» وسلاحه وذخيرته كلها من إيران.
وانطلاقاً مما تقدم، بأي حق ومنطق يريد «حزب الله» فرض أجندته الخاصة تحت غطاء المقاومة على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي اللبناني؟ وبأي مسوِّغ يسمح لنفسه بالتعدي على الأملاك العامة والخاصة ويهيمن على المشاعات والأراضي ويضع يده على الممتلكات، فيتصرف بها ويحوّلها إلى معسكرات ومخازن ومراكز تدريب وحتى الى مجمعات سكنية وأراض عسكرية محظورة حتى على أصحابها؟
إن ما يحصل منذ فترة في بلدة رميش ليس ابن ساعته ولا هو بالصدفة، فرميش بلدة حدودية مسيحية كبيرة وتملك أراضي واسعة محاذية للخط الأزرق، وتزدهر بهمّة أبنائها وعملهم الدؤوب وتجذّرهم، فباتت إحدى علامات الصمود الاقتصادي والاجتماعي، ما شجع أبناءها أكثر فأكثر على الرهان على الدولة ومؤسساتها، وعلى تنامي الحس الوطني السيادي، محافظين في الوقت عينه على حسن الجوار وأفضل العلاقات مع المحيط، وهو ما أزعج «حزب الله» الذي لا يريد أحدا يتعاطى معه من الند إلى الند، وعلى قاعدة المساواة والشراكة الفعلية، بل يصر على فرض إيقاعه وهوامشه بمنطق الاستقواء.
وما يحشر «حزب الله» في خياراته أن اعتماده التقليدي على التخوين المنهجي والتلقائي لم يعد عملة رائجة لعمالة وهمية، لاسيما وأن الجميع بات يدرك حقيقة التناغم الضمني مع اسرائيل، في اعتراف متبادل بسيطرة اسرائيل على الجليل وحتى على مزارع شبعا، وبالسيطرة غير المباشرة لـ»حزب الله» على المناطق اللبنانية الحدودية، وقد جاء اتفاق الترسيم البحري ليؤكد على هذه المعادلة.
ولا حاجة لتناول تفاصيل الاعتداءات الدورية من مجموعات «حزب الله» على أراضي رميش من عامة وخاصة، تحت مبررات واهية، فالحفاظ على البيئة يتحول شق طرقات عشوائية وإزالة مساحات واسعة خضراء، وحماية الثروة الحرجية تحت شعار جمعية بيئية يتحول قطع أشجار للتدفئة، ومقاومة اسرائيل تتحول اعتداء اشبه بالاستملاك على أراضي أهل البلدة الذين باتوا في موقع المقاومة لاحتلال أراضيهم بداعي المقاومة من قبل مواطنيهم.
ان حالة رميش تذكّر بنماذج أخرى للاعتداءات على أملاك المسيحيين في نواح عدة من الجنوب. ولعل أكثر الأمثلة نفورا بلدة دردغيا ذات الأكثرية الكاثوليكية والأقلية المارونية، والتي باتت خالية أو شبه خالية عمليا من أهلها الأصليين، لمصلحة السكان والمحتلين من خارجها، بسبب وضع اليد على الأملاك وعمليات الشراء المشبوهة والمدروسة، فبات الوجود المسيحي فيها رمزيا، فيما تبقى الكنيسة شاهدة صامتة في الغالب على غياب الأهالي الذين يناهزون كناخبين فقط التسعمئة عددا، بل إن البلدة تحولت إلى مقر لأنشطة سياسية في ما يشبه إعمالا في الجرح، على غرار لقاءات فيها بحجة دعم فلسطين وأخرى لـ»حزب الله» بحجة دعم البيئة، ولم يتردد الحزب في العام 2005 عن تنظيم لقاء علمائي في دردغيا تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في رسالة إلى البقية الباقية من الأهالي لمنعهم من بيع الكحول، في وقت يحتل الغرباء عن البلدة معظم بيوتها.
أما صفد البطيخ التي كانت نموذجا للعيش معا، فقد باتت مثلا حيا على التغيير الديموغرافي المتعمد في بعض وجوهه. والمسؤولية لا تقع جماعيا على الشيعة، بل على «حزب الله» الذي دعم شراء أراضي المسيحيين بأسعار مرتفعة، ومارس عناصر منه عمليات ترهيب بمنع الموسيقى العالية أو بيع الكحول أو تناولها، في وقت تولت جمعية يتلطى وراءها الحزب، الاستيلاء على أكثر من أرض مشاع للمسيحيين.
وفي ما خص جزين، فلا يحتاج المرء إلى جهد لعرض الأدلة على ما تتعرض له أراضي أهلها المسيحيين وأملاكهم من احتلال وانتهاكات، لا بل أحيانا من استثمار قسري، وذلك كله من قبل «حزب الله» لـ»دواعي المقاومة». فهل يعقل ألا يستطيع صاحب أرض حتى زيارة أرضه لتفقدها وكأنه بات غريبا في قريته؟ وهل يعقل أن يصدمه منظر أملاكه وقد تحولت إلى محفار رمل أو مقلع حجارة؟ وماذا عن ذاك المسيحي من إحدى قرى جزين، والذي ورث قطعتي أرض في إحدى بلدات قضاء النبطية، وعندما رغب في تفقدهما بعد طول غياب لم يعرفهما، وبعدما سأل عنهما أرشدوه إلى أربع بنايات كل منها بطبقات عدة لم يعرف كيف تم تشييدها وبموجب أي حق وقانون ومن شرّع بناءها وزوّدها بالخدمات العامة؟
وفي ما خص الضاحية الجنوبية التي كانت في غالبيتها مسيحية، فقد تحولت موئلا لـ»حزب الله» وحصنه المسلح والممتنع على الدولة إلا شكلا، فغاب المسيحيون كليا، وآخر من تبقى في حارة حريك والمريجة غادر في الأعوام الأخيرة بعد طول معاناة، ولم يسعفه تأييده لـ»حزب الله» وانتماؤه السياسي البرتقالي.
وثمة أكثر من سؤال يطرح على غرار: هل يعرف ميشال عون أين كان منزله الوالدي، وكم بقي من الأهالي الأصيلين المسجلين على لوائح الشطب في بلداتهم؟ وماذا عن الأرض التي تناهز مساحتها مئة ألف متر مربع والتي تملكها مطرانية بيروت المارونية وتم احتلالها وبناء مسجد الرسول الأعظم والمستشفى عنوة عليها، ولما راجعت المطرانية المغتصبين عرضوا شراء الأرض بثمن بخس ورمزي ولم يردوا على المراجعات والدعاوى والشكاوى.
ولعل الحالة التي تمثلها بلدة لاسا في أعالي قضاء جبيل هي مثال على الاستقواء بالسلاح، في ضوء احتلال نحو ثلاثة ملايين متر مربع من أملاك مطرانية جونية المارونية، الى احتلال نحو نصف هذه المساحة في بلدة أفقا، في استغلال سافر لفائض القوة، الذي يحاول أصحابه تكريس أمر واقع، او عرض تسويات على قاعدة ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم.
صحيح أن ثمة اعتداءات من فئات وقوى أخرى على أملاك المسيحيين في بعض المناطق على غرار الضنية والقاع وسواها، لكن الصحيح أن هذه الاعتداءات لا تقارن بالخطة المنهجية التي ينفذها جاعة الممانعة لتحويل المسيحيين من مواطنين الى رعايا ومن أهل أصيلين إلى أهل ذمة بالمعنى السياسي، لكن أصحاب الحق إلى أي فئة انتموا لا بد أن يستعيدوا حقهم وأن يزهق الباطل، عندما تتغير المعادلة القائمة ويستعيد اللبنانيون الدولة من الدويلة.
أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]