#adsense

رخصة المسجد بأسبوع ورخصة الكنيسة بـ5 سنوات!

حجم الخط

القانون الذي ينظّم أوضاع دور العبادة في مصر بدأ تطبيقه عام 1840، وهو يحمل "ختم" محمد علي باشا الذي أسس نظاماً ملكياً في هذه البلاد استمر حتى عام 1952 حين أطاحته ثورة "الضباط الأحرار" بقيادة "البكباشي" جمال عبدالناصر. ولا يبدو ان تعديلات أساسية قد أُدخلت عليه بعد الثورة، باعتبار أن وضع مسيحيي مصر، أي أقباطها، كان في المرحلة التي سبقتها أفضل وبكثير من وضعهم بعدها. ولا يعود ذلك، كما يحلو لعدد من المتعصبين أو المتطرفين قومياً أو اسلامياً، الى الاحتلال الانكليزي لمصر يومذاك، او الى التأثير الاوروبي المسيحي الاستعماري في أوضاعها، وتحديداً الى تأثير "المال" الذي كان يمتلكه اصحاب هذا التأثير والذي كان يحتاج اليه "حكام" مصر. اي أن العاملَيْن المذكورين لم يكونا وراء الوضع الجيد يومها لأقباط مصر على وجه العموم. بل كانا في شكل من الاشكال وراء التجربة الديموقراطية على الطريقة الغربية التي سادت في تلك المرحلة. علماً أن الانصاف يقتضي الاشارة الى ان "العيش المشترك" كان قائماً في ذلك الوقت سواء بين فقراء الأقباط والمسلمين وهم الاكثرية، أو بين اغنيائهم وباشواتهم، أو بين ابناء الطبقة الوسطى منهم. في اختصار نظم القانون المشار اليه اعلاه عملية بناء دور العبادة، ونص على ضرورة تقديم كل من يريد بناء مسجد أو كنيسة طلباً مستوفياً كل الشروط الى السلطات المختصة، ومنها وجود قطعة ارض صالحة لذلك. ونص ايضاً على ان اعطاء رخصة البناء يتوقف على أمور عدة. منها أن تكون هناك مسافة 500 متر بين اي مسجد وكنيسة يبنيان. ورغم المساواة الظاهرة في القانون المذكور، بل في النص المذكور، بدأ اقباط مصر يشكون من تمييز في المعاملة ومن تساهل مع المسلمين وتشدّد معهم. وتحولت الشكوى تذمراً تحوّل بدوره مع السنوات وتبعاً للتطورات اصطدامات وإشكالات وقتل واعتداءات وحرق يتناول أماكن العبادة. وتصاعد ذلك في اثناء حكم مبارك، وبلغ الذروة بعد ثورة يناير الماضي بحيث صار يهدد فعلاً النسيج الوطني المصري بحرب اهلية تدمر مصر.

هل من مصدر محدد للشكوى؟

يجيب عارفون بل خبراء في مصر ان حصول القبطي (شخصاً أو مؤسسة دينية أو اهلية) على رخصة بناء كنيسة لا يتم قبل سنوات أقلها خمساً من تاريخ تقديمه الطلب. في حين ان المسلم يحصل على الرخصة بعد اسبوع تقريباً أو بعد اسابيع احياناً. وهذا الأمر، وفي ظل تنامي الاصوليات الاسلامية وخصوصاً السلفية منها والتكفيرية والعنفية، دفع ولا يزال يدفع المسلمين الى بناء جامع مرخص بالقرب من كل قطعة ارض خصّصها المسيحيون لبناء كنيسة وينتظرون رخصة لمباشرة بنائها، متجاهلين مسافة الـ500 متر المفروضة قانوناً بين المسجد والكنيسة. وبسبب ذلك تحجب الرخص عن المسيحيين "تنفيذاً" للقانون رغم علم منفذيه وقبلهم السلطات الحكومية والسياسية بالتحايل الذي يتم عليه. ويعني ذلك في شكل من الاشكال إما تواطؤاً بين هؤلاء والمتشددين الاسلاميين، وإما حرصاً على عدم اغضابهم جراء الحاجة الى استعمالهم ضد الاخصام اوقات الضرورة، وإما عدم اهتمام جدي بأوضاع اقباط مصر وذلك بعدما اعتاد حكامها وغالبية شعبها على اعتبارهم رقماً مهملاً رغم ضخامته او ربما جالية لا بد ان تدفعها التطورات تدريجاً الى التحول في اتجاه دين الله. وهو تحوّل بدأ منذ قرون ولم يكن طوعياً في غالبية الاحيان.

طبعاً استفظع كبار مصر، سواء في السلطة الانتقالية او في السلطتين الدينيتين عند المسيحيين والمسلمين، المجزرة التي حصلت اخيراً في القاهرة، واعادوا احياء "بيت العائلة" المصرية، وقرروا تعديل قانون "دور العبادة" في مصر. ولكن مشروع تعديل هذا القانون كان جاهزاً في ادراج المعنيين منذ اربعة اشهر، اذا لم يكن اكثر، ولم يكترث احد له رغم النار التي كانت "تعسُّ" في الصعيد بل في كل مصر حيث للأقباط وجود. ويرجح العارفون والخبراء فيها انفسهم ان يتم اقراره وتطبيقه. لكن الاسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: هل ان مشكلة اقباط مصر تكمن فقط في دور العبادة؟ هل ان الاحتقان المسيحي فيها سببه فقط دور العبادة؟ هل الاصطدامات المسيحية – الاسلامية سببها فقط دور العبادة؟ هل الغليان المنذر بحريق كبير مؤذ للجميع سببه فقط دور العبادة؟. ما هي الاسباب الفعلية لكل ذلك؟ ومَن هي الجهات او الفئات المسؤولة عن وضع مصر على ابواب جحيم لا يريده عقلاء شعبها وهم الغالبية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل