ليست هي الأزمة الأولى في تاريخ العلاقات السعودية – الإيرانية التي تشهد الكثير من عمليات المد والجزر، منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران·
وهي ليست الأزمة الوحيدة مع الجار الخليجي الأكبر، فمسلسل التأزم الإيراني مع دول الخليج يبدأ باحتلال الجزر الثلاث لدولة الإمارات، ولا ينتهي بفضح ومحاكمة شبكة التجسس في الكويت، فضلاً عن التدخل في البحرين، والتوتر مع قطر، والترهيب لسلطنة عُمان·
وقطعاً ليست هي الأزمة اليتيمة مع كبرى الدول العربية، لأن العلاقات العربية – الإيرانية حافلة بسجل من الأزمات، يبدأ مع مصر والأردن، ويتوزع من اليمن شرقاً إلى المغرب غرباً·
وفي هذا السياق، ستكون محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير من قبل مجموعة إيرانية، عنواناً لفصل جديد من التأزم في العلاقات السعودية – الإيرانية، يضاف إلى تاريخ العلاقات العربية – الإيرانية المتأزمة، والتي تستحق أكثر من وقفة تأمّل وتحليل!·
لم يُحسن ملالي طهران، منذ البداية، التعامل مع الحماس الشعبي العربي لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، إذ سرعان ما كشّرت الثورة عن أنيابها تجاه جيرانها، وراح شعار <تصدير الثورة> يتصدّر خطابات حكام طهران الجُدد، الأمر الذي أدى إلى إثارة مشاعر الحذر والريبة عند الشعوب والقيادات العربية على السواء·
ورغم انشغال الملالي بالصراعات على السلطة، وعلى مواقع النفوذ، فقد بقيت الطموحات الخارجية تحرّك سياسة طهران، التي انتهزت فرصة سقوط خصميها الخطيرين: صدام حسين في العراق، وحركة طالبان في أفغانستان، لتندفع بقوة غير مسبوقة، سياسياً ومالياً وأمنياً، لتبسط هيمنتها على الجار اللدود في بغداد، ولتلعب دور اللاعب الأوّل في إدارة التناقضات المتصادمة في كابول·
وفي زمن الجنوح الفلسطيني نحو المفاوضات وإنشاء السلطة الوطنية في رام الله، تركز التحرّك الإيراني على دعم الكفاح المسلح من خلال تعزيز قدرات <حزب الله> التسليحية والقتالية في لبنان، وتشجيع ابتعاد <حماس> عن الطريق الذي مشت فيه <فتح> لوضع اللبنة الأولى في بنيان الدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها القدس·
وأصبحت دمشق ما بعد حافظ الأسد حجر الرحى في استراتيجية طهران الإقليمية، وصراعاتها مع المجتمع الدولي، الامر الذي أثار العديد من المخاوف عربياً وإسلامياً ودولياً، نظراً لمخاطر الجموح الإيراني على نظام الأمن العربي خاصة، وعلى حالة الاستقرار في أكثر من بلد عربي، حيث تغلغلت الشبكات الإيرانية بتغطية مالية ضخمة، مستغلة حالة الفقر والعوز عند ضعاف النفوس·
* * *
وإدراكاً لتداعيات هذا المشهد الإيراني المريب على الوضع العربي عامة، وعلى عواصم القرار العربي خاصة، كان لا بدّ للرياض من أن تتحرّك للحد من الهجمة الإيرانية على المواقع العربية المؤثرة أولاً، ولسبر أغوار إمكانية فتح صفحة جديدة من التعاون مع طهران، تراعي المصالح المشتركة العربية – الإيرانية، وتقوم على مبادئ الشرائع والأنظمة الدولية المنادية بالاحترام المتبادل، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية، ومراعاة خصوصية المجتمعات الوطنية لكل بلد·
تكررت المحاولات السعودية لبناء علاقات قائمة على الوضوح والثقة مع طهران، ولكن تناقض مواقف أصحاب القرار في إيران، كان يُجهض المحاولة تلو الأخرى، قبل أن تحقق أهدافها!·
المحاولة الأخيرة، كانت قبل سنوات قليلة، وبدأت مع انتشار المخاوف من فتنة سنية – شيعية في المنطقة، تأكل الأخضر واليابس، وتصب في مصلحة العدو الإسرائيلي المتربص بهذه الأمة والمراهن على ضعفها، بعد رفضه مبادرة السلام العربية·
حرص العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز على أن يقود تلك المحاولة بنفسه، فأشرف شخصياً على الاتصالات وزيارات الوفود التي سبقت توجيه الدعوة الرسمية للرئيس محمود احمدي نجاد لزيارة الرياض·
وأحاط خادم الحرمين الشريفين ضيفه الإيراني بكل الود والترحيب، انطلاقاً من قناعته بالأهمية الاستراتيجية لطي صفحة الحذر والتباين والخلاف مع طهران، سعياً للعمل معاً، عرب وعجم للحفاظ على الأمن والاستقرار في الإقليم، وإفساح المجال أمام عمليات التنمية وتحقيق الازدهار الذي يعود بالخير على شعوب المنطقة·
فكان هناك رفض عربي لاستخدام القوة ضد طهران في الملف النووي، وحرص على تأييد أي مشروع إيراني يخدم قضايا التنمية ولا يعسكر أهداف المفاعلات النووية، فضلاً عن التحفظات العربية في فرض العقوبات الاقتصادية على طهران·
لم يكتف الملك عبدالله بدعوة واحدة لأحمدي نجاد، بل أعقبها بدعوة لأداء فريضة الحج، حيث كان الرئيس الإيراني الضيف المميز للعاهل السعودي، ثم كانت فرصة لقاء ثالث في القمة الخليجية التي عُقدت في الدوحة، ووافقت القيادة السعودية بأن يكون رئيس إيران <ضيف شرف> بحضور زعماء دول الخليج، وكان أن دخل الملك عبدالله قاعة المؤتمر ممسكاً بيد الرئيس الإيراني، ليؤكد الحرص السعودي خاصة، والخليجي والعربي عامة، على الحوار مع طهران، وعلى فتح صفحة جديدة من التعاون العربي – الإيراني!·
* * *
فماذا كانت النتيجة؟·
لم تلتزم طهران بما تمّ الاتفاق عليه مع الرئيس نجاد، وأخلّت بكل التوافقات والتعهدات التي تمّ التوصّل إليها في لقاءات العاهل السعودي مع الرئيس الإيراني، ونجح الفريق الإيراني المتشدّد في نسف قواعد التعاون سواء على صعيد العلاقات الثنائية، أم على مستوى الملفات الساخنة في العراق ولبنان وفلسطين، وكل ما يعني دول المنظومة الخليجية!·
ومع عودة العلاقات إلى نقطة الصفر، بين الرياض وطهران، استمرت الهجمة الإيرانية على المواقع العربية بأشكال مختلفة: فرض للهيمنة السياسية على العراق بعد إبعاد صاحب الأكثرية النيابية أياد علاوي عن رئاسة الحكومة، وتنصيب نوري المالكي محله رغم عدم حيازته الأكثرية البرلمانية، وذلك بعد أشهر طويلة من تعطيل العملية السياسية في بلاد الرافدين·
إسقاط حكومة الوفاق الوطني في لبنان، وإبعاد سعد الحريري عن رئاسة الحكومة بعد سرقة الأكثرية النيابية منه أيضاً! والاتيان بحكومة من لون واحد لأول مرّة بعد اتفاق الطائف··!·
منع المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية عبر عرقلة المحادثات بين <فتح> و <حماس> كلما حققت المفاوضات بين الطرفين تقدماً ملحوظاً، إلى أن استطاعت <حماس> الإفلات من القيد الإيراني، والتوصل إلى الاتفاق – المصالحة مع <فتح>، ثم النجاح في تحقيق صفقة التبادل لأكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل الجندي شاليط، بعد سنوات من العرقلة المتعمدة لمحاولات تبادل الأسرى!!·
* * *
لم نكن بحاجة للمحاولة الإيرانية الجديدة ضد السفير السعودي، على خطورتها، لنتأكد من حجم الأزمة المتحكمة في العلاقات السعودية – الإيرانية خاصة، والعربية – الإيرانية عامة، وذلك رغم كل الجهد العربي الذي بُذل على أعلى المستويات، وعلى مدار سنوات وسنوات، لإقامة علاقات تعاون وحسن جوار مع الجار الإيراني، الذي لا ينكر أحد أهميته، ولا حجم قدراته، ولا مدى تأثيره على مجرى الأمور والأوضاع في المنطقة·
وإذا كانت طهران مقتنعة فعلاً بأن ما يجري هو جزء من مخطط أميركي – صهيوني لتفجير فتنة سنية – شيعية لا تُبقي ولا تذر، فما على القيادات الإيرانية سوى العودة إلى محاضر المحادثات الرئاسية مع القيادة السعودية، وتأكيد القرار الإيراني الحازم بالتوجه إلى خيارات سياسية وأمنية جديدة، تؤسس لعلاقات عربية – إيرانية قائمة على الثقة المتبادلة والتعاون الحقيقي، لإحباط مخطط الفتنة المذهبية، والتصدي لكل ما يُهدّد أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها!·
هل نحلم بصحوة إيرانية قبل فوات الأوان··؟
ربما···!!·