هناك جريح منسي ينزف في شارع ماسبيرو الذي شهد المذبحة. هذا الجريح هو الثورة المصرية المترنحة تحت الصدمات المتلاحقة وسكاكين بروتس والتي تكاد تودي بها.
ما يثير الخوف على الثورة ومستقبل مصر، هو "عدم" انتباه المجلس العسكري الحاكم، الى ما جرى ويجري بعد سقوط مبارك من تفلّت وفوضى أمنية تعصف بالبلاد. فاذا كان محمد البرادعي مثلاً قد نعى الثورة اول من امس، عندما قال ما معناه انها خسرت وكلنا خاسرون، فماذا يقول الآن القتلى الأقباط وأهاليهم، أمام شريط التعمية المعيبة، الذي يحاول المجلس العسكري أن يسدله على العيون والعقول وقد بدا انه لم يعد ينقص إلا مثول الأقباط الذين سحقوا تحت العربات العسكرية أو قتلوا بالرصاص، سواء أطلق من الجيش او من البلطجية الذين أشعلوا الوضع، أمام القضاء فتتم محاكمتهم بتهمة أنهم ماتوا!
ليس في هذا الكلام أي قسوة أو تجن، إذ يكفي ان يتابع المراقب شريط المذبحة وتداعياتها والأسلوب الذي يتبعه التحقيق، لكي يظن ان عربة فضائية هبطت عند ماسبيرو وأمعنت قتلاً في المتظاهرين، والدليل ان كبير الأطباء الشرعيين أصدر بياناً أعلن فيه ان من الصعب معرفة نوع السلاح والأعيرة النارية التي أودت بالقتلى، وصدق أو لا تصدق أنك تتحدث عن مصر، البلد الذي أنجب العالِم العظيم أحمد زويل!
ثم صدر تقرير آخر زاد من التعمية والمرارة، ليس عند الأقباط وحدهم، بل عند كثيرين من المسلمين المصريين الذين يريدون ثورة ناصعة لمستقبل مصر، عندما قال ان الجنود لم يكن معهم ذخيرة حية ولم تحصل حالات دهس بالعربات، التي شاهدها العالم كله تجتاح صفوف المتظاهرين، ربما لأن المجنزرات هبطت فعلاً من المريخ!
كان مثيرا للريبة والامتعاض ان يقرر المجلس العسكري عدم الإعلان عن أسماء "قتلى الجيش"، بعدما كان قد أعلن سابقاً عن عدم سقوط قتلى من العسكريين، وان لا يسمح للأقباط بتشييع كل الذين قتلوا في جنازة واحدة، بل على دفعات في ما بدا وكأنه حرص على التقليل من حجم المذبحة. ولا ندري لماذا صدر نفي لوجود تحريض إعلامي وقد سمع العالم كله الأنباء المفبركة عن سقوط قتلى من العسكريين ودعوات الى مساندة الجيش وكأنه كان يقتحم تل أبيب؟!
لا هذه ليست ثورة تقرع أبواب الديموقراطية وتريد إقامة الدولة المدنية المنشودة، ففي أسوأ الأيام لم تكن مصر كما هي الآن. ولا ندري ماذا ستفعل الانتخابات، لكن البرادعي بكَّر في نعي الثورة متخوفاً من سيطرة "الأخوان المسلمين"، وهو ما قد يساعد المجلس العسكري في أن يستمر حاكماً سعيداً لمصر!