مداولات البيان الوزاري تبرز المتغيرات حول المقاومة

حجم الخط

"حزب الله" نال نصف ما أراده والتأخير يصيب بانعكاساته الفريقين
مداولات البيان الوزاري تبرز المتغيرات حول المقاومة

أظهرت المداولات الطويلة حول مضمون البيان الوزاري في موضوع المقاومة جملة امور مهمة من بينها، على الاقل، ان موضوع المقاومة لم يعد امراً مسلماً به كما في السابق، ولم يعد يجد تبريراته الواقعية في ضوء التطورات في الاعوام الماضية وتحديداً منذ عام 2005 والبيان الوزاري للحكومة السابقة. ولفت مراقبين كثراً المسعى الذي قام به الوزير عن "حزب الله" محمد فنيش تحديداً في اطار التوصل الى صيغة توفيقية بعدما تبين ان صيغة البيان الوزاري السابق لن تكون مقبولة في اي حال لا في المضمون ولا حتى في اللغة، ولفت هؤلاء اصرار الحزب على الالتحاف برداء الحكومة للحصول على شرعية داخلية تغطّيه عربياً ودولياً.

فلا احد يمكنه تجاهل قدرة الحزب على الذهاب الى تنفيذ ما يعتبره مقاومة لاسباب محلية او خارجية، لكنه يحتاج باستمرار الى نص يساعده في زمن الازمات في وجه الداخل وبالاكثر في وجه الخارج.

فهذه الشرعية من الدولة اللبنانية تظل بالغة الاهمية مهما يكن الامر بالتزامن مع سعي الحزب الى موازاة نفسه بالدولة وحتى منافستها على واجباتها باصداره قبل ايام قليلة بياناً حول الانتهاكات الاسرائيلية للاجواء اللبنانية، علماً ان هذه المهمة يتولاها الجيش منذ بعض الوقت وكذلك السلطات التي تبلغ الامم المتحدة بهذه الانتهاكات. وشكل البيان مؤشراً الى حاجة الحزب الى تبريرات من اجل تأكيد استمرار المقاومة من جهة، وعدم الرغبة في التخلي عن السلاح مهما يكن الوضع من جهة اخرى.

ويعتقد ديبلوماسيون رفيعو المستوى ان "حزب الله" يعرف اكثر من سواه حدود المقاومة بعد عام 2006، وهم يؤمنون بأن المقاومة لم تعد تشكّل خطراً مباشراً على اسرائيل في ظل القرار 1701 اللهم الا اذا وجّه صواريخ ضدها في حال تعرضت ايران لاعتداء.

فلا اي حرب مماثلة يمكن الدخول فيها مجدداً، ولا ايضاً خطف جنود اسرائيليين كما في السابق، ولا حتى عمليات لتحرير مزارع شبعا وخصوصاً ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان اعلن مراراً وآخرها في عيد الجيش ان العد العكسي لتحرير مزارع شبعا قد بدأ. فهل تمكن المزايدة على الدولة وديبلوماسيتها، ام ستكون للسلاح مهمة اخرى؟

لقد بدأ لبنان مرحلة جديدة مختلفة وان يكن "حزب الله" يظهر انه لا يعير هذا التغيير اهمية في المبدأ، الا ان المناقشات داخل لجنة البيان الوزاري اظهرت واقعا جديدا مبنيا على تفسيرين وفق ما تــــقول مصادر وزارية: الاول ان الحوار والاخذ والرد بين الافرقاء يمكن ان تلين المواقف من خلال دينامية الوصول الى نتيجة، وخصوصا ان اتفاق الدوحة فرض منطقا من الشراكة أقل ما يمكن القول فيه ان على الحزب القبول بأن يشاركه اللبنانيون وليس ان يشارك هو اللبنانيين حين يشاء ومتى.

ثم ان هناك انقساما في لبنان لا يمكن تجاوزه، وتأييد سلاح الحزب من جانب رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون من خلال ربطه بحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يظل تأييدا من طرف حليف لا يعبّر عن رأي جميع اللبنانيين، و"حزب الله" يحتاج الى غطاء من الحكومة ومن كل الافرقاء اللبنانيين الآخرين.

والأمر الآخر ان المواقف التي اعلنتها مرجعيات وشخصيات حول المقاومة وسلاحها، عكرت الاجواء ولم تساعد، وخصوصا ان المساجلات حصلت بمنطق ما قبل الدوحة. فاذا كان المطلوب الذهاب الى مشكلة والضغط بالقوة من اجل الحصول على الشرعية المطلوبة، فان المماحكات وعمليات التأخير كانت كافية لكشف عدم حصول الحزب على الشرعية الكافية من بقية الافرقاء فكيف بالذهاب ابعد من ذلك؟

اعطت التسوية حول البيان "حزب الله" نصف ما أراد في الاصل. فالبيان ينطلق من عبارة تأكيد "مبدأ وحدة الدولة اللبنانية ومرجعيتها في السياسات المتعلقة بالمحافظة على لبنان والسيادة الوطنية، وهو المبدأ الناظم لكل القرارات والالتزامات والتوجهات الحكومية".

كما انه المبدأ الذي يحكم كل فقرات البيان ويؤكد مرجعية الدولة بحيث تصعب الاستهانة بحق الدولة وما اخذه الطرف الآخر. وهذه تسوية يمكن اعتبارها جيدة للطرفين لكونها افضل ما يمكن الحصول عليه في ظل مواقف كل منهما وعنصر الوقت الذي بات ضاغطا بعدما استهلك موضوع تأليف الحكومة وبيانها الوزاري ثلث عمرها الاصلي الذي ينتهي بعد الانتخابات النيابية المقبلة في ربيع 2009. خصوصا ان عنصر الوقت لا يمكن، في ضوء هذه الظروف، ان يساهم في تحسين اوراق الطرفين بل على النقيض، اذ ان لا مصلحة لـ"حزب الله" في ان يستمر الجدل حول موضوع المقاومة مزيداً من الوقت فيظهر للخارج. ولاسرائيل المزيد من الانقسام حوله يترجح بعد تأخير البيان تأخير لانطلاق العمل الحكومي.

فهذا الانقسام يكشف الحزب اكثر فاكثر ولا يخدمه على الاطلاق، كما لا يخدم حلفاءه الاقليميين. في المقابل ينعكس التأخير سلبا على الاكثرية التي تعطلت ادارتها للحكم منذ ثلاث سنوات ويستمر هذا التعطيل وان في اشكال اخرى.

المصدر:
النهار

خبر عاجل