#adsense

«سحر» الحل العربي في سورية

حجم الخط

في سورية جثث تنتحل شخصيات، في اليمن جثث تُخطَف… مشهدان من مأساتين في الربيع العربي، تُجمِع وقائعهما على أن عبور الطريق إلى الفصل الأخير يبدو أشبه بمعجزة، وكلما سقط مزيد من الشهداء بات عسر التغيير أشد عسراً.

سقطت قبائل اليمن في فخ النظام، ضخّت في شرايينه ما يمكّنه من تمديد الصراع مع الثوار، ولو قُتِل عشرات الأطفال، أو دُمِّرت صنعاء. اكتملت عناصر الحرب الأهلية، فيما تتوارى حظوظ المبادرة الخليجية لمصلحة القتل والفوضى.

وأما مأساة السوريين وحشرهم بين فكي مواجهة مُكلِفة بلا أفق، وشرذمة المعارضة بتخوين من يقترب من استدراج السيناريو الليبي، فما زالا رهاناً على مَن ييأس أولاً ويستسلم، غضب الشارع أم آلة النظام.

يمكن التساؤل بالطبع عن أي انتقام تلجأ إليه السلطة لمعاقبة الجار التركي على مد يده إلى «المجلس الوطني السوري»، وعن ربع الخطوة التي أقدمت عليها أنقرة بلقاء وزير الخارجية أحمد داود أوغلو وفداً من المجلس، ربما لتعويض خفوت الوعيد التركي للنظام السوري. لكن الأكيد في كل الأحوال، أن المنتفضين في درعا وحمص ودير الزور وسواها، لا يأملون باجتياح تركي لإسقاط النظام، مثلما لا يتوهمون هبّة عربية تحمي المدنيين من المدرعات والدبابات، وقناصة «الشبيحة».

وإذا كان الردع الذي يطرحه الغرب بعصا العقوبات – ما دام لا يمتلك أداة ضغط «سحرية» – كفيلاً بتمديد مأساة السوريين مع المواجهة غير المتكافئة في الشارع، فالحال أن الغرب ذاته لا يضلّل النظام في دمشق بل يطمئنه إلى أن التدخل العسكري الخارجي لن يكون خياراً في أي مرحلة. أما الفيتو الروسي الجاهز لتكرار نجاحه في نزع أسنان مجلس الأمن، فهو ذاته الذي يجهض احتمالات ولادة قرار عربي ينزع الشرعية عن النظام السوري. فما دام الإجماع الدولي مغيّباً، ستبقى مطالبة فرنسا جامعة الدول العربية بـ «قرارات شجاعة» أقرب الى التمني والاستنجاد بما يسهّل قضم الفيتو الروسي… بعدما تمنت الجامعة أن يعفيها إجماع دولي من امتحان القرارات «المؤلمة»: عدم التنصل أمام المذبحة، وعدم الاستسلام أمام إغراء تجيير المهمة للغرب، ولو بالقوة.

والآن، بعد ما سُمِّي الإنذار الأخير، ومهلة الأسبوعين العربيين للنظام السوري، ليس بعيداً من وقائع المأساة وعنف آلة النظام، ترجيح نعي الخيار العربي الذي تتلهف دمشق للتشفي به، هي التي لم تخفِ اقتناعها بأن «المؤامرة» تنويع وعلى وتَرَيْ مجلس الأمن والجامعة، حتى إذا تعطّل المساران، ازداد القتل ضراوة، و «المجلس الوطني» عاجز في الخارج عن حماية شارع واحد أو مسيرة واحدة من غضب النظام وبطش القمع.

إنه المربع الأول ذاته الذي حاصرت به السلطة الانتفاضة، وحوصرت معها إذ دمّرت صدقية أي وعد بالإصلاح والحوار. والغريب، ما فات الجامعة في تبنيها مبادرة احتضان الحوار بين النظام وكل أذرع المعارضة، لأن سلطة مقتنعة بخروجها من «الأزمة» أقوى، لن تجد بالتأكيد مبرراً لحوار يمنح الخصوم شرعية، حتى في طرح مطالب الحد الأدنى.

بين السوريين من اعتبر أن المبادرة العربية وُلِدت ميتة، وسعت الى تفادي تكرار السيناريو الليبي، لكنها حاولت كذلك تجريب فكرة إدخال شرعية ميتة لنظام أمني إلى غرفة العناية الفائقة. فهل هذا الخيار هو ما يريده السوريون، بعد سقوط حوالى 3400 شهيد؟

وبين يأس ومحاولات تيئيس لإخماد الانتفاضة، يضطرم بركان الانشقاقات في صفوف العسكريين السوريين: كلما اشتدت حملات القتل زادت مستنقعات الحرب الأهلية، وغرقت السلطة في وحول الانتقام الجماعي.

لا أحد يريد الحرب الأهلية… يقولونها علناً، الروس والغرب والعرب والأتراك، لكن ملامحها «تتسلل» في وضح النهار. وحتى الآن لا حل سحرياً لوقف محاصرة جميع السوريين بسلاح الانتحار الشامل.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل