خسر "حزب الله" ورفاقه الانتخابات النيابية فأخذ يفسر الطائف على هواه مطالباً بحكومات "توافقية". استعمل الحزب التوافقية "المفروضة" فعطّل كل شيء يفيد الوطن والدولة أو يمكن أن يسجل كايجابية للرئيس سعد الحريري الى أن أتت لحظة الانقلاب واستقال الوزير المقنّع ورفاقه خلافاً لمبادئ تسوية الدوحة.
سقطت حكومة "التوافقية" المفخخة ولكن الأكثرية لم تتغير بل استلزم لقلبها خروج وليد جنبلاط نتيجة الخوف والترهيب وربما الحسابات المتسرعة، كما استلزم الأمر ايجاد وجه سني لتظهير انقلاب "حزب الله". هذا الشخص السني الذي كان لا بد منه، لم يبدل موقعه بسبب خوفه أو غيرته على لبنان بل خرج من باب الانتهازية والمصلحة الشخصية.
بعد خمسة أشهر من استشارات التأليف لم تولد الحكومة إلا بناء لأوامر سوريا ووفقاً لمصلحتها. وهنا أيضاً لم يكن ذلك ممكناً لولا وجود ميقاتي وتجاوب فخامة رئيس الجمهورية تحت تبريرات واهية. لهذا السبب فإن مسؤولية الرئيس ميقاتي كبيرة! وربما كان على الطائفة السنية، "المتهم" أكبر زعيم لديها، من "حزب الله" والعونيين بالعمالة وبالمذهبية وبرعاية الارهاب، أن تقف لتقول بغالبيتها الكبرى: ممنوع أن تطأ قدما أي سني السرايا الحكومية إلا الرئيس سعد الحريري صاحب الأكثرية النيابية والزعامة الأولى في الطائفة حسبها في ذلك ما فعله تماماً "حزب الله" الذي أفهم الجميع سنة 2007 أن لا وزراء شيعة مكان المستقيلين تحت طائلة تظاهر واعتصام واحتلال وتعطيل وتخريب وأكثر.
لو فعلت ذلك غالبية الطائفة السنية التي لا تمتلك أدوات التخويف والترهيب التي يمتلكها "حزب الله" عبر سلاحه المقاوم، لكان حسب لذلك كل من فخامة رئيس البلاد ووليد بك جنبلاط وحتماً الرئيس ميقاتي ألف حساب وحساب قبل الانطلاق في مركب حكومة "حزب الله" وسوريا.
حسناً فعل الرئيس سعد الحريري في صورته الشهيرة والمعبّرة لدى استقباله الرئيس ميقاتي حينما أدار الطرف عن "المنتهز" فعبّر من دون تقيّة عن موقف جمهور واسع منتهكة حقوقه بالسلاح "المقاوم والممانع". لذلك لا بد من القول ان ردة فعل الطائفة السنية تجاه حكومة ميقاتي أثبتت أن لا اصطفاف عسكرياً عقائدياً عندها كما هي الحال عند الطائفة الشيعية المسلوبة القرار من "حزب الله"، هذا الحزب الذي لا يشبه الأحزاب اللبنانية والشعب اللبناني انما يشبه النظام الإيراني والحزب الثوري الإيراني. ألم يظهر سريعاً الفرق بين وضوح خطاب وأداء الرئيس سعد الحريري الذي صارح الشعب اللبناني في كل مراحل رئاسته وفي أصعب الظروف وبين أداء الرئيس ميقاتي صاحب النهج الرمادي والضبابي والملتبس والمناور؟.
فهل أراح ميقاتي بأسلوبه لبنان ومواطنيه؟ هل هو على توافق وانسجام مع رفاقه في الحكومة من أجل خدمة الوطن؟ ألم نعش بسببه 9 أشهر على نغمة "يموّل أو لا يموّل"، "يؤيد أو لا يؤيد" المحكمة والعدالة الدولية من أجل لبنان!. ألم يستعمل سنيته من أجل السماح لـ"حزب الله" وسوريا بسرقة الأكثرية؟. انه باختصار لعب ويلعب على مصاعب اللبنانيين، كل اللبنانيين، ومعاناتهم. انه يتاجر بدم الشهداء وأهلهم ومحبيهم الذين ينتظرون العدالة. انه يخدم المتهمين بالقتل وبالجريمة المنظمة وبالارهاب وهو إن عاد، وتحت أي مخرج كان، وأمّن التمويل فإن جريمته ونيته الجرمية تبقى كاملة كاملة. كما أن استقالته إن تجرأ عليها، يجب ألا تعفيه من أية مسؤولية لأن حالة "تصريف الأعمال" ستُكمل في نحر الوطن والشهداء!.
لدولته نكرر ونقول ان لا سياسة على حساب العدالة وعلى دماء أبطال لبنان. لا يلام "حزب الله" المفاخر برعايته للمتهمين بل يسأل فرد، يجب أن يعاقب على تلاعبه بالمقدرات الوطنية من أجل شهوة الرئاسة. سيأتي يوم تعرف الحقيقة ويتأكد ربما ظن المحكمة، وسيأتي يوم يتصالح اللبنانيون من أجل إعلاء الشأن الوطني على الحسابات الفئوية والمنفذة لأجندات خارجية، ولكن يجب ألا يأتي يوم يعاد تعويم من طعن الحق وأصحابه والعدالة وأهل الشهداء الأبطال في أصعب الظروف وزاد من ضعف الوطن اقتصادياً وأمنياً ومعيشياً وسياسياً!.
لماذا هذه الشدة بحق الرئيس ميقاتي؟ لأنه لولا وصول الربيع العربي الى سوريا لكان تمادى في تواطئه وأذيته الى جانب حزب "متهم"، ورئيس جمهورية انحصر همه بإمرار باقي ولايته على "سلام"!. نعم في ظل حكومة الرئيس ميقاتي وضع حكومي رديء مع تفرد الوزراء بمواقفهم وبأدائهم الخارج عن البيان الوزاري وعن أدنى مستلزمات المصلحة العامة وكذلك مناكفات وتوزيع أدوار وهمّ انتخابي شعبوي مسيطر. في زمن الرئيس ميقاتي انتهاكات للحدود من "الجيش الشقيق" وأزلامه، واعتداءات فاضحة لأدنى حقوق الانسان بحيث يسلّم المعارضون والمواطنون العزّل الى آلة القتل السورية!.
داخلياً لا نمو، لا سياحة، ولا استقرار بل خطف وتعد واضطرابات أمنية ولعب في المجهول بمصير الوطن. فلنتصور ولو للحظة حكومة أكثرية يرأسها سعد الحريري وتتألف فقط من 14 آذار و3 وزراء لوليد جنبلاط ووزيرين لفخامة رئيس الجمهورية كما هي الحال اليوم. تنال أكثرية 70 صوتاً كما الحكومة الميقاتية! ألم تكن لتحكم بوضوح وانسجام؟ ألم تكن لتجنّب البلاد حالة المرغ والتراجع والتآكل التي نشهدها اليوم؟ حتماً، ولكن ذلك كان يستوجب بأن يعارض فريق 8 آذار كما تعارض اليوم قوى 14 آذار، أي سلمياً ومن دون تهديد ووعيد وابتزاز!. هل كان وقّع رئيس الجمهورية مراسيم حكومة أكثرية كهذه؟ هل كان أقدم وليد جنبلاط على الانخراط فيها؟ ربما لا، لا بل جزماً لا! لأن المشكلة في السلاح، هذا السلاح الذي يسهم في إلغاء الدولة وفي الهيمنة على الداخل بالقوة والضغط. انه الانقلاب بكل أوجهه!. لذلك لا راحة للبنان، أو بداية راحة، إلا بعد تغيير النظام في سوريا وانبلاج فجر جديد، وهذا الفجر حتماً آتٍ من دون أن يستأذن فرداً أو جماعة!. كما وسيلعن الشعب والتاريخ كل من ساعد ولعب دوراً ولو صغيراً في إطالة معاناة سوريا ولبنان وشعبيهما.
إن ربيع العرب في سوريا لم يحرّض عليه سعد الحريري ولا أي لبناني، بل منَّ به الله سبحانه وتعالى على الشعب السوري البطل وعلى اللبنانيين لكي يخرجوا من هذا الليل الطويل، ليل الكذب والإجرام باسم الممانعة وقضايا العرب والإسلام.