كتب د. عامر مشموشي في صحيفة "اللواء":
يميل مرجع أمني، ينشط في اتصالاته ولقاءاته مع كل الأطراف السياسية إلى الاعتقاد بأن تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان سيجد في نهاية المطاف مخرجاً يُرضي كل الأطراف ولا يُحرج أحداً.
ويقول المرجع الأمني ما نشهده هذه الأيام من تجاذب حول التمويل بين الأطراف السياسية، وأحياناً بين أبناء الصف الواحد، وما نسمعه من تصريحات ذات سقوف عالية، ضد التمويل أو معه، لا يتعدى لعبة عضّ أصابع أو شدّ حبال، ينتهي مفعولها في الوقت المناسب بتوصلّ اللاعبين إلى المخرج المناسب الذي يفي بالتزامات الحكومة الدولية تجاه المحكمة، ولا يشكّل هزيمة للفريق الذي له في الأساس موقف سلبي من المحكمة وموجباتها.
ويرى المرجع أن هناك عدة حلول للخروج من هذا المأزق، يجري العمل على بلورتها في اتصالات بعيدة عن الأضواء والإعلام، بهدف الوصول إلى الحل المنشود قبل نهاية العام الجاري، وهي المهلة المعطاة للحكومة اللبنانية من الأمم المتحدة لكي تحسم خياراتها النهائية، مستبعداً أن تصل هذه الاتصالات إلى الطريق المسدود لأن كل الأطراف بصرف النظر عن المواقف المعلنة حتى الآن، غير راغبة في الذهاب بتعقيد الأمور إلى نقطة اللاعودة، بل هي حريصة على إيجاد حل مريح لكل الفرقاء، وليست على استعداد للتضحية بالحكومة الحالية، لأنها تدرك جيداً مدى انعكاسات هذا القرار عليها.
و في حين استبعد هذا المصدر أن تتحوّل جلسات مجلس الوزراء المخصصة إلى درس مشروع قانون الموازنة الى مبارزة بين مؤيّدي التمويل ومعارضيه، تطيح بالحكومة، يعتقد بأن ثمة اتفاق غير معلن بين الفريقين على تأخير البحث في البند الخاص بالتمويل الى ما بعد الانتهاء من إقرار باقي البنود، على أن يصار خلال هذه الفترة إلى الاتفاق على صيغة تسمح بتمرير التمويل بأقل الأضرار الممكنة خصوصاً وأن المواقف المعلنة داخل الحكومة تتراوح بين حدّين على شكل خطّين متوازيين لا يلتقيان.
فالحدّ الأول يمثله تحالف "حزب الله" والنائب ميشال عون وهو حتى الساعة، الرافض للتمويل بأي شكل من الأشكال وصولاً إلى حدّ السخرية من الذين يقولون بالمحكمة وتمويلها.
والثاني وهو المنادي بضرورة دفع حصة لبنان من تكاليف التمويل لأكثر من سبب ويمثله تحالف رئيسي الجمهورية والحكومة وجبهة النضال الوطني ولهؤلاء اعتباراتهم التي أملت عليهم هذا الموقف.
فالرئيسان سليمان وميقاتي مسؤولان عن التزامات الدولة، ومصالحها أمام المجتمع الدولي، وكلاهما أعلن غير مرّة ومن على أعلى المنابر الدولية التزاماتهما بالقرارات الدولية وعدم خروج لبنان عن الشرعية الدولية والتي يأتي في مقدمها مسألة امتحان صدقيته أوعدمها من خلال سداد أو عدم سداد التزاماته المالية للمحكمة المنصوص عليها في البروتوكول الذي أبرمه مع الأمم المتحدة.
أما رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط والذي له حساباته الخاصة به، إضافة إلى الحسابات البديهية التي يلتزم بها الرئيسان سليمان وميقاتي، ومنها اقتناعه بأن المحكمة هي وسيلة لوضع حدّ للاغتيال السياسي بوصفه الطريقة المعتمدة لتصفية الحسابات بين الخصوم، يجد استحالة في التماشي مع "حزب الله" في موقفه ضد المحكمة، ومعاداته للمجتمع الدولي، ويرى أن على الحزب أن يكون أول الداعمين لهذه المحكمة من موقعه، ويسلّم بموجباتها، إن لجهة التمويل أو لجهة الذهاب الى لاهاي والدفاع عن نفسه وحصوله على البراءة، بدلاً من أن يتخذ موقفاً معارضاً له يشكل بحد ذاته إدانة مهما حاول في حربه الإعلامية التي يخوضها ضد المحكمة ووجودها والظهور بمظهر البريء الذي يتآمر عليه المجتمع الدولي للإيقاع به من خلال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وتزامناً مع هذا المشهد كان لافتاً ما صدر مؤخراً عن نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم بإعلانه أن الغالبية في مجلس الوزراء هي التي تقرر ما إذا كان لبنان يعترف بالمحكمة وبموجباتها أم لا وعلى الأقلية الالتزام بقرارات الأكثرية، ما فهم من هذا الكلام أن الحزب اتخذ قراره هو وحلفاءه وهم يشكلون الأكثرية بالتصويت ضد بند التمويل الوارد بقانون في مشروع الموازنة، بما يتعارض مع تعهدات رئيسي الجمهورية والحكومة ورغبة رئيس جبهة النضال الوطني، الأمر الذي يؤدي حتماً الى حمل الرئيس ميقاتي على تقديم استقالته انسجاماً مع نفسه ومع التزاماته الدولية، فهل كان نائب الأمين العام يدعو في كلامه الأخير رئيس الحكومة إلى الاستقالة، وهل وصل "حزب الله" في مشروعه الى حدّ التضحية بحكومة يملك فيها القرار لكي يثبت أنه ضد المحكمة، وأنه المُمسك بالقرار اللبناني والآمر الناهي الذي لا مشيئة فوق مشيئته.
وفي موازاة هذا الكلام العالي السقوف يجدد الرئيس ميقاتي التأكيد على تمسكه بتمويل المحكمة حتى لا يتعرّض لبنان لعقوبات دولية من دون أن يدخل في سجال مع "حزب الله" أو مع النائب عون الذي أكد مؤخراً على مواقفه السابقة من المحكمة وتمويلها وطرح إشكالية جديدة، تتعلق بعدم دستورية البروتوكول الموقّع بين لبنان والأمم المتحدة في شأن المحكمة، ودعوته الى عدم البت في مسألة التمويل إلى ما بعد عرض البروتوكول على المجلس النيابي ومعرفة ما إذا كانت أكثرية الثلثين ستقبل به أو تعدّله أو تلغيه• وعلى هذا تترقب الأوساط السياسية الكلمة التي سيلقيها النائب جنبلاط في الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي نهاية الشهر الحالي، والتي كما تقول أوساطه سيتطرق فيها بالتفصيل إلى موضوع المحكمة وتمويلها والجهات التي تعمل عكس مصالح الدولة والشعب اللبناني بوقوفها ضد المحكمة وبالتالي ضد المجتمع الدولي.
المراقبون اعتبروا أن موضوع التمويل سوف يتأخر طرحه على مجلس الوزراء الى ما بعد نهاية هذا الشهر لكي تتوضح كل المواقف من هذه المسألة، وعلى أمل الوصول إلى المخرج المناسب.