#adsense

المداهنون

حجم الخط

إنتهى الصعب وبدأت الصعوبات. إنتهى عصر القذافي في ليبيا بمشهد دامٍ يليق بالمستبدّين، على ما أشهدنا التاريخ. ليس في الأمر إساءة الى تحضّر العرب. خرجت رومانيا من عصر تشاوشيسكو مطلع العقد الأخير من القرن الفائت، على جثته. قبلهما، دشّنت الثورة الفرنسية درب الحرّية والإخاء والمساواة بجثتَي لويس السادس عشر وماري أنطوانيت. وبعدها سقت الثورة البلشفية طريق الشيوعية بإسالة دماء القيصر نيقولا الثاني وزوجته وابنه وبناته الأربع وطبيب العائلة وخادم القيصر وأسرة الطبّاخ جميعا في غرفة واحدة.

إنتهى القذافي لتبدأ سلسلة أسئلة تبحث عن أجوبتها: هل تبقى ليبيا موحّدة أم تصبح ثلاثة تتوزّع بين طرابلس وبنغازي ومصراتة التي أظهرت وقائع الثورة أهمّيتها؟ مَن هي الشخصية التي ستتولى القيادة؟ أيّ صيغ ستطرح للنظام الجديد؟ ما هو حجم الدور الذي سيلعبه الإسلام السياسي، وما هي، فعليّا، التنظيمات المكوّنة له؟ ما هي حصص الدول الأطلسيّة، وربّما غيرها، من قالب الجبنة الليبي؟

أسئلة، أجوبتها لن تتأخّر. لكن على هامشها أسئلة تتأتّى من أصداء الحدث على المستوى السياسي والثقافي والإعلامي. فقد يبرّر للدول أن تنقلب على علاقاتها مع الأنظمة المنتفض عليها، بأنّها تبحث عن مصالحها، ومصالح شعوبها. وبرغم اندهاش المراقب أمام هذه الانقلابات الدولتية، فإنّ اندهاشه الأكبر يتأتّى من مواقف أفراد ينقلبون على أنفسهم عند اهتزاز الأنظمة. يبدأون، فجأة، بكتابة (وإلقاء) محاضرات عن العفّة السياسية، وبتمجيد الديموقراطية والحرّية، وهم الذين اعتاشوا على هدر هذه الأنظمة لكلّ القيم، واقتاتوا من دماء الشعوب المضطهدة، ونهلوا من أموال نفطها المسلوب.

لم يكلّوا من مديح الأنظمة حين كانت في عزّها، ولم يتعبوا اليوم من فضح مثالب الحاكمين الساقطين، هرباً أو خلعاً أو توارياً،أو إعداما. ولم يتردّدوا في تقديم النصائح للثوّار، بعدما "انهالوا" على الحاكم في زمنه بكلّ ما جادت به عبقريّاتهم من أفكار تعزّز استبداده: هل كانوا في حالة عمى يوم كانوا يسجدون عند أعتاب ملوك زمن الديكتاتوريّات، حين كانوا يكيلون لهؤلاء مدائح أين منها المدائح النبويّة، ويقرظونهم بما لم يكتبه الشعراء العرب والعجم في ملوك الأيّام الغابرة؟

ألم يكن هؤلاء عارفين بالظلم والقهر المعشّش في كلّ زنقة ودار وبيت تحت ظلّ الحاكم الذي كان يمنّ عليهم بمال شعبه؟

أين كانت العروبة (لمن وقف تفكيره عند تأميم قناة السويس، ولم يتطوّر) والديموقراطيّة (لمن لا يطبقها داخل حزبه، وحتى بيته) يوم كان يداهن كلّ منهم، رؤوس الأنظمة المنهارة؟

فجأة اكتشف هؤلاء أنّ زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمّر القذافي وعلي عبدالله صالح حوّلوا بلدانهم إلى إقطاعيّات للعائلة والأهل والقبيلة، وسفكوا دماء الأحرار وأعمارهم في سجونهم.

هل هو نور شقّه الله في صدورهم فرأوا ما عمهوا عنه زمن كانت هذه الأنظمة قائمة، تغدق عليهم ممّا تغرف من أموال شعوبها ونفطها؟

لعلّ أبرز ما نشهد، وأفصح تعبيرا، هو كَيل هؤلاء اليوم المدائح لثوّار ليبيا وهجومهم على القذافي الذي كان نفطه يعميهم، إبّان قيادته "الرشيدة" عمّا ينزله من ظلم بشعبه. هم اليوم لا يستحون من كونهم اقتاتوا من حرّية الليبيين، واليمنيّين والمصريّين والتونسيّين، ولو بنسب متفاوتة تتناسب وثروات هذه الشعوب.

وغداً، لن يستحوا من كلام مماثل عندما يسقط النظام في سوريا. ولنا أن نسأل، متى كان هؤلاء صادقين: يوم استزلموا للحكّام أم اليوم وهم يحاولون مصادقة ثوّار الربيع العربي؟

يتكوّن حول هكذا أنظمة أربعة أنواع من البشر داخل بلدانها: إنتهازيّون ممالئون ومؤيّدون مؤمنون وخائفون مدلّسون وجبناء متفرّجون. أمّا من الخارج فلا يأتيهم إلّا النوع الأوّل.

لاشكّ أنّ القذافي وجمعيّة رؤساء السوء العربيّ يستأهلون هكذا أصدقاء، لكنّ هؤلاء لا يمكن أن يستحقّوا صداقة الثوّار.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل