عقد لقاء سيدة الجبل في خلوته الثامنة في فندق رجنسي بالاس في ادما بحضور ما يزيد عن 500 شخصية مسيحية من احزاب ومستقلين ومثقفين ومفكرين واعلاميين.
وعرضت على المجتمعين وثيقة للنقاش تضمنت ثلاثة أقسام: ما نريد التذكير به على ضوء مواقف الكنيسة، وما نرفضه من مواقف سياسية تعرض المسيحيين الى أخطار أكيدة، وما نريد العمل من أجله لتجديد دور المسيحيين في لبنان والشرق. وجاء في الوثيقة:
أولاً- ما نريد التذكير به
نريد التذكير أولاً بدور الكنيسة في اطلاق ربيع لبنان الذي شكل الإشارة الأولى لربيع العرب. "فلقد وضع نداء المطارنة الموارنة في 20 أيلول 2000 – والكلام للمجمع البطريركي الماروني – الأسس لإنهاء سلطة الوصاية السوريّة واستعادة السيادة والاستقلال والقرار الحرّ (…) فبعد أن كان لبنان ساحة لتسلّط الآخرين، صار ساحة شهادة أبنائه جميعًا لحريّتهم، وزخمًا لأكبر انتفاضة شعبيّة في العصر الحديث. لقد تمكّنت الكنيسة بمشاركة معظم الشعب اللبنانيّ بأن تحفر تاريخ لبنان الحديث بإبرة الحق والإيمان، فوق صخرة الظلم والليل الطويل، فتمكّنت من إنقاذ الوطن واستعادة الدولة". و"شكلت انتفاضة الاستقلال، اثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، لحظة تاريخيّة، فتحت الباب للخلاص الوطنيّ بتوحّد غالبيّة الشعب اللبنانيّ على نحوٍ غير مسبوق. إنّ خروج الجيش السوريّ من لبنان في 26 نيسان 2005، بعد ثلاثين سنة من سلطة الوصاية، كان تتويجًا لنضال الشعب اللبنانيّ المقيم والمنتشر، وتوحّده، وبمثابة الحلم الذي تحوّل إلى حقيقة"
نريد التذكير ثانياً بأن الكنيسة كانت سباقة في مطالبتها يقيام الدولة المدنية، الحديثة والديمقراطية القائمة ، كما جاء في المجمع البطريكي الماروني، على "التوفيق بين المواطنية والتعددية" وعلى "التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، بدلاً من اختزال الدين في السياسة، أو تأسيس السياسة على منطلقات دينية لها صفة المطلق". وهذه المسألة باتت اليوم مطروحة بقوة في كل الدول التي تحررت من أنظمة الاستبداد.
نريد التذكير ثالثاً بدور الكنيسة في بلورة مفهوم العيش المشترك بما "يتخطى مستوى التساكن أو التعايش بين المجموعات المتعددة" ليشكل نمط حياة مميزاً، "يؤمن للانسان فرصة التواصل والتفاعل مع الآخر بحيث تغتني شخصيته من تلقيها جديد الآخر، وتغني هي بدورها شخصية الآخر، وذلك دون إلغاء للخصوصيات والفوارق التي تصبح في هذه الحال مصدر غنى للجميع".
ثانياً- ما نرفضه
نرفض أولاً وضع المسيحيين في مواجهة ربيع العرب الذي يرتكز الى قيمتي الحرية والعدالة، وهي قيماتان تقعان في أساس الكرامة الانسانية، بعيداً عن منطق الايديولجيات التي تقسم العالم بين معسكرين، خير وشر، والتي أقامت عليها أنظمة الاستبداد شرعيتها الأساسية. فهذا الربيع العربي يشكل خبراً سعيداً للبنان، الذي ظل، على مدى أكثر من نصف قرن، موضوعاً لمحاولات حثيثة رمت، بدعوى "تعريب" نظامه، الى جعله شبيهاً بالأنظمة المحيطة. أما اليوم، فها هي المنطقة العربية – في سعيها المصمم للتخلص من عبوديات القرن الماضي والتهميش التاريخي – تنحاز الى معنى لبنان، بما يحمله هذا المعنى من قيم الحرية والديمقراطية والتعددية والانفتاح على العالم.
نرفض ثانياً ربط مصير المسيحيين بمصير أنظمة القمع والاستبداد التي حولت العالم العربي الى سجن كبير، فاخرجت شعوبها من الحاضر والمستقبل ووضعتها على هامش التاريخ. إنه موقف أخلاقي يفرضه ايماننا بالانسان وحقه في الكرامة والحرية، فلا نقبل أن نكون مع الجلادين ضد الضحايا. وهو أيضاً موقف وطني اذ تتحمل هذه الأنظمة الاستبدادية مسؤولية حرب كلفتنا ثمناً باهظاً : 144240 قتيلاً، 17415 مفقوداً، و197506 جرحى. هذا الى تدمير مدننا وقرانا، وهجرة مئات الألوف من أبنائنا، وتفتيت مجتمعنا، ومصادرة مؤسساتنا، وتعميم الفساد، وتحويل القضاء الى أداة لتصفية الحسابات …
نرفض ثالثاً كل المشاريع الهادفة الى ضرب الحضور المسيحي الاصيل في هذا الشرق وتحويل المسيحيين الى مجرد أقلية تبحث عن حماية لها من هنا أو هناك. والخلاف ليس، كما يصوره البعض، خلافاً حول اختيار الجهة التي يوكل لها مهمة تأمين الحماية – حماية خارجية سورية، ايرانية أو غربية، أو حماية داخلية "شيعية" لمواجهة خطر "سني" أو "سنية" لدرء خطر "شيعي" – انما هو خلاف حول مبدأ الحماية الذي يحول المسيحيين الى أهل ذمة ويفقدهم حضورهم ودورهم. وهذا ما لا يمكن القبول به.
نرفض رابعاً العنف الذي يواكب هذا الربيع العربي. فهو عنف الأنظمة الاستبدادية في مواجهة مطالب الشعوب المشروعة. وهو أيضاً وفي الوقت نفسه عنفُ قوى التطرف التي ما زالت تتشبَّث بمنظومات ايديوليجية متداعية، وتحاول جاهدةً وقف عجلة التاريخ.
ثالثاً- ما نريده
نريد أولاً اطلاق دينامية مدنية في الوسط المسيحي قادرة على التواصل مع ديناميات مدنية شبيهة لها في الطوائف الأخرى وفي المجتمع المدني من أجل إعادة الحياة الى ربيع لبنان والتشارك مع القوى الديمقراطية التي ظهرت في ربيع العرب لوضع الأسس لعالم عربي ديمقراطي وتعددي قادر على استعادة دوره وموقعه في العالم بعد تغييب قسري دام نصف قرن.
نريد ثانياً استعادة دور المسيحيين التاريخي في الشرق والمساهمة في اطلاق نهضة عربية ثانية تؤسس لثقافة جديدة، "ثقافة العيش معاً"، ذلك أن العيش معاً، متساوين في الحقوق والواجبات ومختلفين في انتماءاتنا المتعددة، بات يشكل اليوم – بسبب التغيرات النوعية الهائلة التي أدخلتها العولمة – تحدياً جسيماً ليس فقط للعالم العربي، بل للبشرية جمعاء.
نريد ثالثاً العمل على انهاء دورة العنف المستمرة منذ عقود وبناء سلام لبنان بالتعاون مع كل المخلصين. فنحن اليوم أمام لحظة مصيرية: إما العودة بلبنان الى ما كان عليه في العقود الثلاثة الأخيرة، ساحة عنف مجاني للقوى الاقليمية والخارجية، تستجيب لأوهام البعض في أنّ مستقبلهم لا يزال يتطلب مزيداً من الدماء والعذابات والدمار، وإما إعادة صوغ لبنان بلداً يطيب العيش فيه، ودولة قادرة على النهوض بمسؤولياتها.
سلام لبنان يحتاج أولاً الى استخلاص دروس الحرب و"الادراك، كما جاء في المجمع البطريركي الماروني، أنّ مصير كلّ واحد منا مرتبط بمصير الآخر، وأنّ خلاص لبنان يكون لكلّ لبنان أو لا يكون، ويقوم بكلّ لبنان أو لا يقوم، ذلك أنّه ليس من حلّ لمجموعة دون أخرى، ولا لمجموعة على حساب أخرى".
سلام لبنان يحتاج ثانياً الى استعادة الدولة لسيادتها المفقودة منذ العام 1969 وتأكيد حقها الحصري في امتلاك القوة المسلحة. فلم يعد مقبولاً ولا مبرراً وجود جيشين في دولة واحدة، يخضع أحدهما لإمرة السلطة الشرعية، ويخضع الآخر لإمرة حزب سياسي أو دولة أجنبية.
سلام لبنان يحتاج ثالثاً الى تحرير الدولة من صراعات الطوائف عليها والشروع، تأسيساً على اتفاق الطائف، في بناء دولة مدنية، كي لا تبقى هواجس الطوائف ومخاوفها المحرك الأساسي للتاريخ اللبناني.
سلام لبنان يحتاج رابعاً الى إنهاء حقبة سوداء في تاريخ العلاقات اللبنانية-السورية ودعم القوى التي تناضل من أجل قيام نظام ديمقراطي في سوريا، الأمر الذي يشكل الشرط الأساس لإقامة علاقات تعاون وصداقة بين البلدين تضمن مصلحة الشعبين اللبناني والسوري.
سلام لبنان يحتاج خامساً الى طي صفحة الماضي مع الفلسطينيين، ودعم الجهود الرامية الى إقامة دولة فلسطينية مستقلة هي شرط السلام في المنطقة.
إن تحديد دور المسيحيين في الربيع العربي ليس شأناً مسيحياً خاصاً، إنما هو شأن المسلمين أيضاً، وهو شأنهما معاً وسوياً، ذلك "أن المسيحيين في الشرق، كما جاء في رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك الأولى، هم جرء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين. كما أن المسلمين في الشرق هم جرء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيين. ومن هذا المنطلق، فنحن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام الله والتاريخ."
سعيد: "عم يتغير العالم يا شباب"
هذا واعتبر منسق الامانة لقوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد في كلة له خلال اللقاء ان ما دفع الى عقد اللقاء هو هو إحساسُ جميع المشاركين بالمسؤولية حيال ما يجري في منطقتنا العربية من تحوُّلٍ تاريخيّ أجمعَ المراقبون على وصفه بالربيع العربي.
واشار الى ان هذا الربيع عمليةٌ ضخمة لا تزال في أو٘جِ تفاعُلاتها، ولن يكون تأثيرُها في منطقتنا بأقلَّ من تأثير الثورة الفرنسية عام 1789 في أوروبا. واستشهد على ذلك قائلا:
"البارحة شهِدَ العالم على نهاية طاغية في ليبيا يمتلك ثروةً خاصة قُدّرت ب131 مليار دولار.
قبل اسابيع شاهد العالم حسني مبارك خلف قضبان المحكمة.
اليوم الأحد يشارك الشعب التونسي في أول انتخاباتٍ حرّة بإشراف هيئة عليا للإنتخابات.
يقدّم الشعب السوري أوضح صور الشجاعة والصمود في وجهِ آلة قتلٍ مدمّرة".
واضاف "عم يتغيّر العالم يا شباب".
ولفت الى "المفارقة الأولى أننا كلبنانيين بوجه عام، وكمسيحيين خصوصاً، نواجه ما يحدث على هذا النطاق الواسع بذهنيّةٍ محليّة فئوية، وبحسابات صغيرة. والمفارقة الثانية أننا نواجه ما يحدث بتردُّد الخائفين، بدلاً من شجاعة المبادرين. والمفارقة الثالثة أننا نحن الذين ناضلنا طويلاً من أجل حرية الإنسان وكرامته وحقوقه الأساسية في هذا الشرق، واتّهمنا هذا الشرق أحياناً بأنه لم يعد يشبهنا، إذا بنا نُن٘كِره لما أراد أن يُش٘بِهنا!!!"
واشار الى انه في سياق هذا الارتباك "المفهوم" – إنما غير المبرّر وغير المقبول – طَلعت٘ علينا اجتهادات كثيرة:
هناك مَن اقترح ادارة الظهر لما يجري، وكأنه يجري في غير عالمنا.
وهناك مَن اقترح التريُّث والانتظار حتى تظهر النتائج فنتكيّف معها.
وهناك مَن يدعونا إلى "استلحاق أنفسنا" بثورةٍ منتصرة حتماً… وذلك من باب الانتهازية الموصوفة.
وهناك من أخذ يردِّدُ أغنيته القديمة حول "الضمانات" لدى أنظمةٍ استبدادية آيلةٍ إلى السقوط، أو لدى دوائر القرار الخارجية. وربما "تشاطَرَ" بعضُ هؤلاء فطلب ضماناتٍ من الثوار أنفسهم، ناسياً أن ثورتهم إنما قامت ضد كل أنواع "التمييز"، وناسياً ربما أن محمد بو عزيزي عندما أق٘دَمَ على إشعالِ نفسه، أشعَلَ معه ضمائر الناس، وهؤلاء الناس لم يطلبوا ضمانةً من أحد عندما قرّروا أخذَ المبادرة. وهناك وهناك وهناك".
واردف "نحن نرى وبكل تأكيد في ما يحدث توكيداً لخياراتنا التاريخية، لا مفاهيم مستجدّة، لأن مفاهيم الثورة هي مفاهيمنا التاريخية، ونرى فيه مصلحةً أكيدة لا ينبغي النظر إليها بعين القلقِ والتَّوَجُّس. أن ضمانتنا الوحيدة كمسيحيين هي في إبداعِنا وتألُّقنا داخل سربنا العربي لا خارجَه. وإن ضمانتنا كلبنانيين هي في وحدتنا وتضامننا، مسلمين ومسيحيين، ذلك التضامن الذي أطلق "الربيع العربي" مع انتفاضة الإستقلال عام 2005".
واكد انه قد يحقّ للذين وقفوا ضد استقلال لبنان وحريته ألاّ يتعرّفوا على هذا "الربيع العربي"… ولكن٘ هل يحق للذين صنعوا الاستقلالَ خيطاً خيطاً، ومدماكاً مدماكاً، وعذاباتٍ موصولةً أن يتنكّروا لهذا المبارك الآتي؟!
مخيبر: نحن شهود رجاء لا دعاة تخويف
واكد المحامي الياس مخيبر العمل لاجل العمل لأجل إرساء ثقافةِ السلامِ في لبنان، الوطن الذي يتسّع لكل أبنائه.
واضاف "نحن نُريد بناء الدولة العصرية، هيكلاً متيناً وصلباً قائماً على المواطنة والعدالة، نحنُ نرفُضُ حمايةَ أحد، أيّ أحد من الدّاخل أو من الخارج على حدٍّ سواءٍ، ونتمسكُ بانتمائنا إلى الدولة المدنيّة لأنها هي التي توفّر الضمانة الأكيدة والوحيدة، في حين أن الدويلة هي التي ستجرُّ حتماً الويلات على رَعاياها وتُدخلنا في مشاريع التفتيت المشبوهة".
ولفت الى الدولةُ المدنيةُ هي ذات سيادة كاملة ومطلقة، لا شريكَ لها في الداخل أو الخارج، ولأن الدولة المدنية تقوم على حصرية السلاح وحصرية الشرعية وتنبذُ التفرّد والإستكبار والإستئثار تحت أيِّ عنوان، لأن الدولة المدنية تقوم على مبدأ التوازن بين الحقوق والموجبات، لا على منطق الإستقواء والإستنسابية أياً كان سببه أو مصدره".
ودعا مخيبر "الجميع إلى الخروج من سراديب الحقد، والكفِّ عن نبش القبور، والتواضع والترفّع عن المصالح الفئوية والحسابات الضيّقة، والمساهمة معنا في بناء دولةٍ مدنيةٍ تضمَنُ لجميع المواطنينَ عيشاً كريماً ومستقبلاً مستقراً واعداً وملاذاً آمناً لأبناء الوطن الواحد، وطنٌ أزليٌ سرمديٌّ، ينبت في جباله أرز الرب، نترعرع في ظله كمن سبقنا، في إيمانٍ راسخٍ حتى الشهادة بأن الحريّة والكرامة هما في صلب تكوين لبنان، وطنِ الإنسانِ والرسالةِ والكرامةِ، والمعنى، لبنان الأكبر من رُقعة جغرافية، لبنان الوَحدة في التنوُّع".
واردف "نحن نَنشُدُ عالياً، وبصدقِ أن الدولة المدنية هي الضامنة فيما الدويلة هي المارقة، نحنُ روادُ الحداثةِ والإصلاح الحقيقي، لا تلك الحداثة الإرتجالية أو ذاك الإصلاح اللفظي الذي يجدُ في الأنظمةِ الحديدية والأحزاب الشمولية حليفاً يستقوي به أو يتوسّلُ منهُ مِنَّةً وعطايا، نحن نعلم أن توافقَ اللبنانيينَ على رفض استعمال العنف كوسيلة للقبض على السلطة وتحقيق مكاسبَ سياسية، واعترافُهم ببعضِهم البعض وبخصوصياتهم هو الحلّ، وأن الركون إلى تفاهماتٍ مبتورةٍ ظرفية من هنا وهناك، ليس سوى تكريسٍ للخلل الحاصل اليوم في موازين القوى بين أبناء الوطن الواحد والذي فرضَهُ أمرٌ واقع سيُصبحُ قريباً من أزمنةٍ ولَّت،
نحنُ نقولُ أن المحاصصةَ والمخادعةَ والخوف، أودوا بعشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف المهجّرين والمُهاجرين، وأن الأوان قد آن اليوم، للمصارحة والمصالحة وتنقية الذاكرة، توصّلاً إلى استنباط أسسٍ صُلبةٍ نعوّل عليها لتكوين ركائزَ دولةٍ مدنية عصرية تَليقُ بنا، وتُشبِهُ شبابنا وتصونُ إرثَ شيبِنا، نحن نريدُ دولة تحترم شهداءَها كل شهدائِها دون استثناء فيتلاقى التحرير بالتحرُّر، وتؤمّن لمواطنيها العزةَ والكرامةَ والإستقرار ليبقى أبناؤنا في الوطن وليحلم من أُقصِيَ عنه قصراً أو طوعاً بالعودة إليه".
واضاف "نعلم أن الأقلية ليست تعداداً ديموغرافياً، إنما هي فعلياً حالة ذهنية تتبدد وتتلاشى لمجرد قيام الدولة المدنية على مفاهيم العدالة والمساواة والمواطنة ومراعاة الخصوصيات".
وامل "أن نُقدِمَ على مصالحةٍ تاريخيّةٍ مع الذّات، ومع كلِّ شركائنا في المواطنة، نتعالى فيها عن نكءِ الجراح واستنفارِ العصبيّاتِ والإستثمار في الأصولياتِ، كما ندعو إلى الإنخراط في المصالحة مع العالم العربي الذي أطلقنا رَبيعَهُ بدعم ثورات شعوبه واستعدادنا لتقديم المساهمة الفعالة في إعادة تكوين مؤسساته العتيدة، كما ندعو إلى التلاقي مع المجتمع الدولي على قيَمِ العدالة والحريّة والديموقراطيّة. الثّورة معيارُ مصالحةٍ مع قيمةِ الإنسان، ونحن شهودُ رجاء لا دعاةُ خوفٍ أو تخويف".
حجي جورجيو: الثورة السورية تكشف مدى بربرية النظام الوثنية
بدوره، اعتبر الصحافي ميشال حجي جورجيو ان الزمن غريب الذي أصبح فيه من الضروري العودة إلى شرح مفاهيم ومبادئ نعتبرها بديهية في ما .يخص فلسفة وقيم المسيحية غريب".
وسأل "هل البحث عن هويةٍ ما بداعي الخوف والقلق من المستقبل قد افقدنا البصيرة، بحيث لم نعد قادرين على رؤية الحقيقة الكامنة وراء تضحية يسوع المسيح على الصليب وما ترمز إليه هذه الصورة؟".
وايد "كلياً النظرية التي تقول أن الانسان قائم بذاته، وليس عليه تأدية أي وظيفة لكي يبرر وجوده. الوجود يبرر الوجود، وليس أي دورٍ ما يبرر وجودنا في هذا الشرق. ولكن هذا لا يعفينا عن دورنا كمواطنين فاعلين في مجتمعاتنا، وعن بث قيمنا ورسالتنا. هذه مهمة اخذناها نحن على عاتقنا، ولن يوكلنا بها أو يجبرنا عليها .أحد. بل كان ذلك دائماً في صلب قناعاتنا".
كما سأل ايضا "فما هي هذه القيم التي نشير إليها والتي تمثل ماهية الفكر المسيحي، أو التي ترمز إليها تضحية المسيح بذاته؟ الحرية والكرامة والعدالة وإحترام نهائية الشخص الذي هو قيمة بحد ذاته، وحقوقه الطبيعية ولعل اهم هذه القيم، والتي تؤسس حقيقةً للفكر المسيحي، هي فكرة رفض وإدانة العنف وإرساء ثقافة السلام."
واكد ان "نشأة الفلسفة المسيحية بمفهومها الانطولوجي مرتبطة بشكل وثيق بفكرة تعتبر أن البطل الحقيقي هو الضحية المسالمة، أي الذي إختار أن يرى حقيقة ما أراد أن يكشفه يسوع المسيح على الصليب، أي إدانة نهائية وحاسمة لمنطق العنف والمبارزات، الذي يؤدي حتماً إلى مزيد من العنف والفوضى."
و اضاف "رب سائلٍ: ما معنى كل هذه المقدمة وما جدواها؟ الاجابة هي التالية: هناك الآن شعوبٌ عربيةٌ جبارة ناضلت وتناضل من أجل حريتها و كرامتها ضد الظلم والاستبداد، وهذا حق طبيعي مصان لها بكافة الشرائع السماوية التي هي أساس الإعلان العالمي لحقوق الانسان وملحوظة بشكلٍ واضح في ديباجته".
واضاف "لا يمكننا إلا دعم هذه الحركات التحررية، كبشر وخاصةً كمسيحيين، لأنها تعبرعن توق هذه الشعوب إلى المصالحة مع نفسها وإلى السلام بعد عقود من العبودية والظلم. لكن الأهم من كل ذلك هو اصرارها على النضال اللاعنفي من أجل احقاق الحق وتحرير نفسها. واخص هنا بالذكر الثورة السورية، التي كلما رسخ تعلقها بسلمية ديناميتها، استشرس نظام الأسد عليها ببربرية ووحشيةٍ استثنائية".
ولفت الى "إن هذه الثورة هي في عمقها وماهيتها مسيحية، لأنها كالمسيح بتضحيته على الصليب، تكشف يوم بعد يوم مدى البربرية الوثنية لهذا النظام وتعطشه للعنف والفوضى والدم، تماماً مثل الاله ديونيسوس. لهذا السبب، ولعدة أسباب أخرى، يجب الوقوف وقفة إجلال وإكبار ودعم كلي لهؤلاء الثوار الأبطال الضحايا المسالمين الذين يموتون ابرياء كل يوم بواسطة آلة القتل، من أجل إرساء قيم إنسانية أممية هي أيضاً، وخاصةً، قيم مسيحية".
نادر: لا يمكن إلاّ ان نكون رأس حربة في الدفاع عن كرامة الانسان
اما الاستاذ سامي نادر فلفت الى ان تاريخ الجماعة المسيحية كتاريخ الانسانية، عرَفَ لحظات إشراقٍ ولحظات ظلمة. مرحلتان طبعتا تاريخ الكنيسة الكاثوليكية في القرن السابق، مرحلة مظلمة ومرحلة مشرقة. أما المرحلة البائسة كانت تلك التي واكبت الحرب العالمية الثانية، حيث أُخِذ على الكنيسة صمتها، لا بل تقاعسها عن مقاومة الأنظمة الفاشية. أُخِذ مجرد السكوت هذا على أنه رضوخ، لا بل طواطؤ مع قوى الشر التي أخرجت اوروبا عن رسالتها الحضارية. لا شك أن الكنيسة عانت من وصمة العار تلك كما صوّرها البعض، ولا شك أنها دفعت الثمن باهظاً وذلك على حساب دورها وإشعاعها في المجتمع".
وقال "تلت هذه المرحلة مرحلة أخرى، مرحلة مشرقة كان لها الأثر البالغ في مسار الإنسانية وتحرر الإنسان. وهي مرحلة إنهيار جدار برلين وانهيار الأنظمة القمعية في العالم السوفياتي ولم يكن هذا ممكناً لولا الدور الريادي للكنيسة ولرأسها البابا يوحنا بولس الثاني".
ولفت الى ان "إحترام كرامة الإنسان يعني التصدّي لكل ما يقيّض هذه الكرامة أو يشكّل إعتداءً عليها. أكان هذا المعتدي نظاماً قمعياً يقيّد الحريات ويعتدي على الأفراد وينكّل بهم ويشوّه أجسادهم، أو نظاماً اقتصادياً يهمّش الإنسان ويكون بذلك اعتداءً على كرامته".
واضح انه "كان ملفتاً موقف بندكتس السادس عشر البابا الحالي من الربيع السوري حيث "دعا السلطات السورية الى احترام كرامة الفرد البشري والإصغاء الى مطالب الشعب المحقّة". كما كان ملفتاً منذ عقدين كلاماً مماثلاً ليوحنا بولس الثاني تجاه أنظمة القمع في أوروبا الشرقية أو حتى نقده لجوانب من النظام الإستهلاكي في الولايات المتحدة.
واكد ان التعرض لكرامة الإنسان لا يجوز من قبل أي كان أو خلف أي شعار مهما عظم فلا المصالح القومية، ولا أيديولوجيات الممانعة والمقاومة، ولا الشعائر الدينية ولا الحنين الى أيامٍ غابرة وأوهام واهية تفوق "القيمة الأم"، القيمة الأساس، "كرامة الإنسان".
واشار الى ان "الدفاع عن الكرامة الإنسانية هي في صلب رسالتنا المسيحية وهذا هو المعيار الأول لخياراتنا. كل خياراتنا. في السياسة، في الإقتصاد وفي الإجتماع. العودة اليوم الى هذه القيم المؤسِّسة ضرورة في هذا المفصل التارخي الحاسم".
واضاف "لا يمكن إلاّ ان نكون رأس حربة في الدفاع عن هذه الكرامة عندما تُنتهك. هذا صلب عقيدتنا. لا يمكن إلا ان نكون رياديين في بناء نظامٍ سياسي يقوم على قاعدة احترام الكرامة الإنسانية. هذا جوهر عقيدتنا".
وشدد على انه "من المفارقة بمكانٍ ومن سخرية القدر أننا وُضِعنا أو وَضَعنا أنفسنا مدركين أو غير مدركين أمام خيارين وكأن لا ثالث لهما. وكأنما يجب أن نختار أما النظام القمعي الديكتاتوري أو نظاماً أصولياً دينيا. والنظامين يشكلان اعتداءً على كرامة الإنسان. ونحن على هذا الأساس مدعوون الى رفض الإثنين حتى لو كان واحدٌ حقيقة واقعة والثاني حقيقة إفتراضية".
واضاف "أن نسجُنَ أنفسنا في مثل هكذا معضلة خطأ لا بل خطيئة. هذا تعدٍ على حريتنا، من انفسنا وعلى انفسنا. الخوف لا يبرر الإنصياع، الحذر لا يبرر السكوت ولا العزوف، الخوف على الذات البشرية لا يبرر الخروج من الذات الإلهية".
واوضح انه "كرامة الانسان هي محرك الربيع العربي، وأصدق تعبير عن هذه الحقيقة، الشرارة التي أطلقها بو عزيزي، فهو شكّل تلك الأيقونة التي جسّدت التعدي على كرامة الانسان ولأننا في قلب هذا الشرق وفي عقله، نرفض أي مساومة على كرامة الانسان من قبل أي كان وتحت أي شعار. ولأننا في قلب هذا الشرق وفي قلبه، نحن في قلب الربيع العربي. قال الربيع العربي ما لا يريد، لا يريد أن يُعتدى على كرامة الإنسان".
واضاف "لكن لم يقل بعد ماذا يريد. وهذا واجب على كل عربي، هذا واجب علينا. أن نقول ما نريد. لم نستقيل البارحة في لحظة النهضة العربية الأولىمن هذا الدور، ولن نستقيل اليوم وننزوي وراء جدران الخوف القاتل. لن نستقيل من هذا الدور، من فعل الإيمان هذا. لن ننتظر أن يُقال لنا من الخارج ما هذا المجتمع بحاجة اليه. نحن أبناؤه منذ ابتداء الأزمة، نعرف حقيقته وحاجاته، كما ندرك رسالتنا".
واردف "نعم لدينا ما نقول في الربيع العربي وما يجب أن يألو إليه. حجر البناء الأساس لما بعد الربيع العربي هو كرامة الإنسان وحريته. هذا يعني دولة مدنية تصون الحريات الفردية وتصون التعددية، دولة مدنية لا تميّز بين إمرأة ورجل ولا بين جماعة وأخرى، دولة مدنية تحترم الأديان ولكن دولة تقاوم الجنوح الديني، دولة مدنية – الحصن الوحيد أمام تفتّت الشرق الأوسط".
زياد الصائغ: لإطلاق لاهوت تحرير عربيّ من لبنان
ورأى الكاتب والباحث الخبير في الشؤون الفلسطينيّة مستشار رئيس لجنة الحوار اللّبنانيّ-الفلسطينيّ في رئاسة مجلس الوزراء زياد الصائغ ان العلاقات اللّبنانيّة- الفلسطينيّة مثار جدل، على رغم حسم الشرعيّتين اللّبنانيّة والفلسطينيّة منذ العام 2005 ما تُريدانه لهذه العلاقات تحت عنوان "الكرامة للاجئين الفلسطينيّين تحت سيادة الدّولة اللّبنانيّة حتّى العودة".
وقال انه على الرّغم من هذا الجدل، ثمّة ما يؤكّد على أنّ ترميم الذاكرة اللّبنانيّة- الفلسطينيّة المشتركة بات مسيرةً لا مكان فيها للعودة إلى الوراء. ويغنينا في هذا السّياق تحديداً إستعادة نصوص ثلاثة برز أوّلها عام 1975، وثانيها عام 2004، وثالثها عام 2008. وفي هذه النّصوص تقاطعٌ تاريخيّ إستثنائيّ.
وذكر ان "إعلان بيروت" تضمّنت فقرته السّادسة: "نريد أن نقول لأشقّائنا الفلسطينيّين، لقد طوينا صفحة الحرب المشؤومة، التي لا تكتمل إلاّ بإستقرار الشّعب الفلسطينيّ في دولة سيّدة مستقلّة ، فليس لنا أن نعلّمكم أو نُملي عليكم أيّ خيار وليس لكم أن تُحدّدوا مواصفات موقفنا القوميّ، نحن نؤكّد قضيّتكم بعد إنتقال مركز نضالكم إلى داخل فلسطين، وبعد إعلانكم قولاً وعملاً، أنّه لم يعد لديكم أيّ مشروع سياسيّ أو أمنيّ في لبنان."
واضاف "تتلاقى الفقرة السّادسة من "إعلان بيروت" مع روحيّة "إعلان فلسطين في لبنان" في إعترافه بإثقال الفلسطينيّين للبنان حتّى تهديد صيغته بالإستقواء بالسّلاح، إلى رفض كلّ أشكال التّوطين والتّهجير، وإنهاء منطق التّعاطي مع لبنان كساحة مُستباحة، والإقتناع بوضع أمن المواطن-اللاجئ الفلسطينيّ على غرار المواطن اللّبنانيّ بيد الدّولة، وليس غير الدّولة، وإستبعاد أيّ طرح مقايضة للحقوق الإجتماعيّة والإقتصاديّة للاجئين الفلسطينيّين بالسّلاح لمصلحة نضالٍ سلميّ وديموقراطيّ ضمن ضوابط الدّستور اللّبنانيّ ليس إلاّ. وقد قال الفلسطينيّون بجرأةٍ نقديّة تاريخيّة ما يلي: "ندعو أنفُسنا، وبعد إعتذارنا العميق عن ما سبّبناه للبنان، إلى تجاوز الماضي بأخطائه وخطاياه (…) نُعلن إلتزامنا الكامل بسيادة لبنان وإستقلاله (…) من دون أيّ تدخّلٍ في شؤونه الدّاخليّة (…) ونُعلن تمسّكنا في العودة إلى وطننا فلسطين".
وذكر انه "قبل نصّي "إعلان بيروت" و "إعلان فلسطين في لبنان"، وفي حرب لبنان، كانت فلسطين في قلب المعادلة اللّبنانيّة مُشوّهة. إتّفاقيّة القاهرة عام 1969 تُثبت كارثيّتها. ضلّ حينها الثوريّون السبيل إلى فلسطين. بعض اللّبنانيّين غالى في فلسطينيّته. البعض الآخر بالغ في مقاومة الإستباحة فإتُّهم زوراً بإستعداءِ القضيّة. اليوم بان الرّهانان يتصالحان. المأزق الكبير بدا حين تبارز عدوٌّ وصديق على تصفية القضيّة. يومها كان التّحالف الموضوعيّ فاضحاً في من يعمل على إغتيال الثّورة، ومن يُريد إستخدام الثّورة ورقة".
واشار الى انه "في هذا السّياق ليست اللّحظة العربيّة في ربيعها الثوريّ بعاديّة. الشعوب العربيّة إنتفضت، الأنظمة التّوتاليتاريّة تتهاوى. لا مكان لأصوليّاتٍ مُفترضة آتية. إنّه زمن تحرير القضيّة الفلسطينيّة من مُصادِريها. الفلسطينيّون يَصنَعون ربيعهم. فهموا مفصليّة هذا الزّمن. أجروا مُصالحةً تاريخيّة. وها هم من شرعيّة قضيّتهم، وبِسنَد الأحرار في العالم، وضعوا الشّرعيّة العربيّة والشرعيّة الدّوليّة، كلٌّ أمام مسؤوليّاتها. الرّبيع العربيّ نحتاج فيه قناعةً مسيحيّة قاطعة بأنّ العدالة وحدها تصنع السّلام. وقيام دولة فلسطين بداية السّلام".
وقال "من هنا يتحتّم علينا كمسيحيّين إطلاق لاهوت تحرير عربيّ من لبنان على قاعدة الإنتماء الموقعيّ والإلزام الزمنيّ، في نسج شهادةٍ إيمانيّة جريئة رفضاً للظلم، ودفاعاً عن قضايا العدل، ولا ينشأ ذلك سوى بتلاقحٍ مسيحيّ-إسلاميّ حتميّ. من مقدّسات فلسطين، إلى إنسانها قُدسيّة أولى، آن أوان إستنهاض تراث كبار من عندنا من مثل ميشال شيحا، وشارل مالك، وغسّان تويني، وسمير قصير، والأبّ ميشال الحايك، والأب يواكيم مبارك، والمطران غريغوار حدّاد، والمطران جورج خضر، كما المطارنة يوسف ريّا، وغريغوريوس حجّار، وإيلاريون كبّوجي وغيرهم، مروراً بنصوص الإرشاد الرسوليّ والمجمع البطريركيّ المارونيّ وشُرعة الكنيسة للعمل السياسيّ ووثيقة وقفة حقّ لمسيحيّي فلسطين والبيان الختاميّ لسينودس مسيحيّي الشرق الأوسط والبيانات المتتالية لمجلس المطارنة الموارنة ورسائل بطاركة الشّرق، آن أوان إستنهاض هذا التّراث من سُباتٍ أوقعه فيه إستبداد، أو تشويه، أو إستبعاد، أو جهل، وتحرير المقدّسات من بعض التّعامل الصّنميّ معها، فما قيمة المقدّسات إن لم نستلهم من عمقها وقف نزف إنسانها؟".
البروفسور قربان: ان تجاهلت الضحية وناصرت الديكتاتور فأنت صلبت المسيح مجدداً
واكد البروفسور انطوان قربان ان الوجود المسيحي هو أولا شهادة لقيم كونية. وحين يخرج المسيحي إلى الفضاء العام, يتكلم في وسط الجماعة ويخاطب العالم.ليس له دور فئوي خاص فهو مواطن حر له الحق المطلق كفرد أن يناصر هذه أو تلك الحركة السياسية. في زمن المحنة, منبر الخطاب المسيحي هو صليب الضحية البريئة وليس عرش الملوك".
ولفت الى ان الأخلاقيات المسيحية تنبذ الفئوية وترتكز, في الحياة العامة, على بعض الثوابت التي لا تتزعزع لأنها وجودية ويمكن تلخيصها ببعض القيم: : كرامة – حقوق – حرية – عدالة – سلام
أما من حيث الدور فإنني ألخصها بكلمة واحدة "المواطنة".
– كرامة الفرد البشري التي ليست صفة مضافة له لأنها من صلب كيانه, وقد وصفها آباء الكنيسة بأنها الاسم الآخر لمجد الله على الأرض وهذا منذ نشأة المسيحية
– ألحقوق الأساسية لكل إنسان وهي أصيلة في طبيعته البشرية ونهائية شخصه الفردي وليست مكتسبة من دور ما في المجتمع.
– ألإقرار بهذه الكرامة الكينية وبتلك الحقوق الأساسية "يشكل أساس الحرية والعدل والسلام"
ورأى الجماعة المسيحية أو الكنيسة هي مجموعة هؤلاء الأحرار الذين يشهدون لهذه القيم. في إطار أوطانهم حيث يلعبون دوراً فعالاً ضمن مجتمع المدينة أو Political Community.
واضاف "من هنا:
– أنت تتمتع بكونك كائن بشري بكرامة وحقوق أساسية
– ولكن في وسط الجماعة أنت مواطن والمواطنة هي التي تؤنسك تدريجياً. تولد بشراً فتصبح إنساناً.
– عليك أن تفصل بين حقوقك كإنسان ودورك كملتزم بعقيدة ما.
– نحن أمام ولادة نظام جديد في العالم العربي لم تتبلور معالمه بعد. أنت لا تستطيع أن تطلب ضمانات مسبقة لجماعتك الفئوية تشارك في هذا الربيع. أنت لم تخرج من ذمة السلطان أو الوالي كي تسخر نفسك في ذمة طاغية أو فئة أو نظام. أنت لست في ذمة أحد حتى في ذمة دولة مدنية.
– الربيع العربي هو انتفاضة على أنظمة فئوية قطّعت مفاصل الحياة العامة واستباحت المواطنة لصالحها وانتهكت إنسانية البشر فحولتهم إلى دواجن".
وقال "حين ترى كيف يستشهد المواطن بإسم كرامته وحريته ومواطنته كيف لك أن تخاف وتبحث عن حماية القوي؟ إذا أنت تجاهلت الضحية وناصرت الديكتاتور, إذاً أنت صلبت المسيح مجدداً. وهذا تقزيم معيب للمسيحية وإذلال مهين لقيمة الإنسان الوجودية التي أدخلتها المسيحية إلى الحضارة العالمية.
أنا شخصياً لست خائفاً ولست مبالياً بمحاولات التخويف. كل جماعة مسيحية في هذا المشرق لها خصوصياتها وإشكالياتها. أما في لبنان فأتمنى أن يثمر هذا الربيع بثورة على الذات في الذهنية المسيحية تُحرّر المواطن من رواسب عقلية أهل الذمة والعصبيات الفئوية وذالك في إطار الطائف. وإذا من أمنية يمكنني أن أعبر عنها:
1 – أن نلتزم بالعمل كي نلغي في الحياة العامة هاجس الهويات الفئوية التي ورثناها عن تنظيم الدولة العثمانية. الطائف لا يقول للأسف بالعلمنة ولكن بالإنصاف بين فئتين محمدية و نصرانية. لماذا لا نكتفي أن نكون فئة مدنية مسيحية واحدة ونتحرر من شرذمة العصبيات المذهبية؟
2 – أن نطلق ورشة عمل مع كل الشركاء في الوطن كي نرسم تصور أو روئية مستقبلية لوطننا لبنان في هذا المشرق العربي مهد الحضارة.
واكد ان الإنسان الحر يفتخر بمواطنة أساسها القانون وليس الهوية الجماعية.