صخب الملفات لا يحجب إجماعاً سياسياً على التهدئة
خلافات الوزراء تقف عند الخط الأحمر لبقاء الحكومة
اتخذ المشهد الداخلي المتكئ على التطورات الخارجية لتحديد وجهته، أكثر من دلالة على حال الضياع التي تحكم البوصلة السياسية والاقتصادية. فبين حكومة غرقت أخيرا في الانقسامات بفعل المقاربات المتضاربة والحسابات الخاصة لمختلف مكوناتها، ورئيس لها يتلقف الضربات من أركان حكومته مكتفياً بالتعامل مع الواقع عبر رد الفعل وليس الفعل أو المبادرة، وبين معارضة منكفئة تترقب التطور الاقليمي لتبني بموجبه تحركها، وقطاع اقتصادي أخرجت تسوية الاجور كل عيوبه ومكامن ضعفه، برز قاسم مشترك واحد يجمع كل الاضداد بفعل اجماع سياسي تلتقي عليه كل القوى ويتمثل بالحفاظ على الحد الادنى من التهدئة وضبط النفس منعاً لتفلت الوضع الامني وجر البلاد الى اضطرابات كان كلام وزير الداخلية مروان شربل واضحاً وقلقاً في آن حيالها عندما كشف من باريس عن معلومات لديه حول مخاوف من عودة الاغتيالات مشيراً الى أن لبنان يعيش اليوم أسوأ مراحله.
وما ينطبق على الوضع الامني ينسحب بدوره على الاوضاع الاقتصادية التي عمدت الهيئات الاقتصادية نهاية الاسبوع الماضي الى اطلاق صرخة في اتجاه الحكومة والسلطة السياسية تعكس فيها خطورة الاوضاع الاقتصادية الراهنة ودقتها مع تراجع معدل النمو الى اقل من 2 في المئة لهذه السنة.
صحيح أن الصرخة جاءت كردة فعل على قرار الحكومة زيادة الاجور بعدما انزلقت الهيئات في تسوية مريبة في اجتماعها مع رئيس المجلس نبيه بري اذ قبلت بمبدأ الشطور وانما بنسب أقل مما أقرت لتعود وتتراجع عن قبولها بعدما جاءت النسبة أعلى، ولكن مشهد أكثر من ألف رجل أعمال من كل المناطق والانتماءات السياسية والطائفية جاء معبرا لجهتين:
¶ الاولى أن القطاع الخاص الذي طالما كان يسيّر شؤونه باعتباره العمود الفقري للاقتصاد والممول الاساسي له فيضغط في اتجاه تحقيق مطالبه، بدا يتيماً في تحركه الاخير اذ فشل في ممارسة الاقناع حول مدى تفاقم الاوضاع الاقتصادية الراهنة فيما بدا أن الهم الاول للحكومة ينحصر في عدم الانزلاق في تحرك عمالي ينقلب الى مشاكل امنية في الشارع، من دون الاخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية والجهود المطلوب بذلها لكي تأتي المقاربة الحكومية للملفات المطروحة انطلاقا من المتغيرات الحاصلة على مستوى العالم والمنطقة والتي كان لها آثار مباشرة على النشاط الاقتصادي الداخلي وعلى حركة الرساميل والتدفقات المالية الى البلاد. ويلاحظ أن هذا الامر لم يؤخذ في الاعتبار لا في توجهات الموازنة العامة او حتى في البيان الوزاري للحكومة.
¶ الثانية أن التظاهرة الاقتصادية التي شهدها مجمع البيال والتي ربما فاقت في حجمها أي تظاهرة محتملة للاتحاد العمالي (في ما لو حصلت) لم تنحصر في رفض القرار الحكومي المتعلق بالاجور خصوصا ان القطاع الخاص يعي أن أي طعن لدى مجلس الشورى يمكن أن يأتي لمصلحته في ما يتعلق بالشطور لأن القرار في هذا الشأن لا يعود للحكومة أن تتخذه وبالتالي سيضطر اصحاب العمل للسير بزيادة الحد الادنى، لكن أهميتها تأتي في الكلمات التي القيت والرسائل التي وجهها مجتمع الاعمال الى الحكومة اذ طالب باصلاحات اقتصادية اجتماعية غابت عن رؤية الحكومة وتوجهاتها تماما كما غيبت اصلاحات مؤتمري باريس 2 وباريس3 اللذين اتاحا فرصا نادرة للاقتصاد اللبناني والمالية العامة للتعافي وهي فرص لم تعد مع الاسف متاحة اليوم بفعل تبدل أولويات الاجندة الدولية وتركزها على مشاكلها الاقتصادية الداخلية.
الحكومة… خط أحمر
وهذه الثغرة الفاضحة في العمل الحكومي المنصبّ في غالبيته على احتواء الخلافات الوزارية المتفجرة في كل جلسة حول بنود جداول اعمال مجلس الوزراء على خلفيات سياسية، تعكس انعدام الثقة والرغبة في التعاون في ما بين مكونات الحكومة، كما تعكس غياب الرؤية الموحدة لمقاربة الملفات الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية المطروحة، بحيث يعلو الصخب والضجيج وتغيب الانتاجية عن جلسات تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل.
لكن على سوء الاداء الحاصل في فترة الوقت الضائع، ثمة تأكيد لحقيقتين تشكلان خطاً أحمر يحظر تجاوزهما أو التلاعب بهما وذلك باجماع سياسي داخلي وخارجي واضح في شأنهما:
الاول الحفاظ على الاستقرار الامني بأي ثمن ومنع تفلت الاوضاع، خصوصاً أن كل المؤشرات الامنية تدل على أن الساحة الداخلية باتت جاهزة لأي خضة أو هزة وليس آخرها التحرك العمالي أو ما يحصل في طرابلس أو في ترشيش على خلفية مد "حزب الله" شبكة الاتصالات الخاصة به. وللتذكير أن مسألة هذه الشبكة أدت الى أحداث 7 أيار الشهيرة.
الثاني عدم المس بالحكومة والحفاظ عليها وحماية بقائها أياً يكن حجم الخلافات التي تنهش مكوناتها بحيث لا يتجاوز ضجيج الخلافات الخط الاحمر المرسوم للحكومة. وهذا يستدعي أعلى درجات التهدئة التي تحكم الخطاب السياسي بسقف الحكومة. ولن يكون كلام الامين العام السيد حسن نصر الله اليوم في حيثياته الخاصة بالحكومة بعيدا عن هذا التوجه، وان كانت كلمته في الاساس موجهة الى جمهور الحزب في الدرجة الاولى بعد حال الارتخاء والتشكيك المسجلة في صفوفه في ظل الاختراقات المكتشفة.
فبقاء الحكومة بات أولوية، لأن سقوطها يعني سقوط الاكثرية.