
ليس واضحاً إذا كان سكوت الحكومة اللبنانية عن الخروق السوريّة للحدود نابعاً من العجز عن اتّخاذ موقف، أم إنّه جاء نتيجة تنسيق ضمنيّ بين السلطتين في بيروت ودمشق.
لكنّه في الحالين يثبت أنّ هذه الحكومة هي "في الخلاصة" حكومة المصالح السوريّة في لبنان، وإن لم تكن "حكومة سوريا" حصراً. فهي ترعى اليوم، في وعي كامل منها، تطوّراً هو الأوّل من نوعه منذ خروج القوّات السورية من لبنان في نيسان 2005.
وعلى مدى السنوات الست الفائتة، لم يسبق للسوريّين أن خرقوا علناً وبجنودهم وآليّاتهم حدود لبنان ودخلوا القرى في البقاع والشمال وطاردوا أشخاصاً وقتلوا بعضهم كما يفعلون الآن.
وفي أيّ حال، يأتي هذا التدخّل في ظروف لم تكن قائمة بين 2005 و2010. ففي تلك الفترة كان النظام في سوريا قويّاً ولا يشعر باستهدافه من الداخل السوري. وثمّة تداخلات شهدتها الحدود اللبنانية – السورية من قبل، سواء بتنقل الأشخاص اللبنانيّين أو السوريّين أو الفلسطينيّين أو سواهم، أو السلاح، في ظروف مختلفة، لعلّ أبرزها مواجهات نهر البارد، لكنّها كانت تتمّ في شكل غير مباشر، وغير واضح، بحيث كان صعباً على الحكومات السابقة كشفها واتّخاذ موقف في شأنها.
"تصحيح خطأ" 2005
مصادر سياسية وأمنية ترى أنّ التحرّك السوريّ الحاليّ، الذي يشكّل الطعن الأوضح بقرار مجلس الأمن 1559 والقرارات اللاحقة التي أكّدته، هو أوّل محاولة عملانيّة سوريّة نحو "تصحيح الخطأ" الذي تمّ "إرتكابه" في العام 2005، والذي تمثّل بانسحاب سوريا من لبنان. وهذه المحاولة هي البداية، فإذا تمّ تمريرها لبنانيّاً وعربيّاً ودوليّاً يمكن أن تتبعها خطوات لاحقة أوسع مدى وأعمق جغرافيّاً، وفي نقاط عدّة بقاعاً وشمالاً. وهذا يعني، ولو جزئيّاً، "كسر" القرار الدولي بخروج سوريا، واعتياد اللبنانيّين مجدّداً على أنّ "من الطبيعي" أن تدخل القوّات السوريّة الى لبنان لتنفيذ "مهمّات مشروعة".
وفي وقت لاحق، يصبح سهلاً إبقاء بعض هذه القوّات في الداخل اللبناني تحت الذرائع عينها، ويمكن تطوير هذا البقاء و"توسيعه" و"تعميقه" وفقاً للمقتضيات. وليس بعيداً عن المحاولات لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، قيام أمنيّين لبنانيّين باعتقال معارضين سوريّين وتسليمهم الى دمشق.
ويؤدّي عدم ترسيم الحدود خدمة مزدوجة في هذا المجال: فالجانب السوريّ قادر على الاختباء تحت رايته لتنفيذ العمليّات، وحكومة الرئيس نجيب ميقاتي تأخذه ذريعة لتبرّر عجزها وخوفها من المواجهة، وتجد ما يمكن ان يعفيها من المسؤوليّة.
وانطلاقاً من استحالة وجود رغبة أو متّسع من الوقت للنظام في سوريا لإجراء ترسيم في الظروف التي يعيشها، فإنّ هناك اقتناعاً بأنّ الخروقات ستتّخذ طريقها الى التزايد التدريجي لتتحوّل واقعاً معتاداً، الى أن تنتهي الأزمة في سوريا.
ولن تكون دمشق متوجّسة من خطوة اعتراضيّة لبنانية في مجلس الأمن، تحت رعاية الحكومة الحاليّة. بينما كانت تتجنّب هذه المغامرة خلال حكومات الرئيسين فؤاد السنيورة ثمّ سعد الحريري. فالسوريّون لم يكونوا قادرين على القيام بخرق واضح للحدود، لأنّ ذلك يتيح للغالبيّة في مجلسي النواب والوزراء أن ترفع المسألة الى المحافل الدوليّة.
وفي ظلّ أصوات دوليّة ضعيفة حتى الآن تطالب دمشق بوقف خروقها، تتوقّع المصادر أن تتحوّل الحدود شرقاً وشمالاً الى ما يشبه الواقع جنوباً قبل انتشار "اليونيفيل"، وما بعده في درجة أدنى. وتبدو الحكومة اللبنانية في الحالين وكأنّها سلّمت أمرها للقدر. وسكوتُها عن الخروق الأخيرة أشدّ خطراً على الوضع الداخلي، لأنّه يفتح الباب للفتنة الآتية من خارج الحدود، بالعدوى أو بقصد التخفيف من مآزق النظام. وقد يؤدّي الدخول السوري على الخط في مناطق حدودية حسّاسة مذهبيّاً الى توتّر يصعب ضبطه. ونموذج التوتّر في عكّار وطرابلس خلال الأشهر الأخيرة يؤكّد هذه المخاوف.
الاستسلام لمقولات الأمين العام
وفي تقدير المصادر أنّ الرئيس ميقاتي، ومعه الفريق "الوسطي" في الحكومة، أمام مسؤوليّة إحباط المحاولتين:
1 – عودة القوّات السورية "من النافذة" تسلّلاً ، التزاماً منه بالقرارات الدوليّة، وأبرزها القرار 1559 الصادر في 2 أيلول 2004.
2 – منع انتقال الشرارة السوريّة إلى لبنان، بناء على التحذير الذي أطلقه موفد الأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامز قبيل إنهاء مهامّه في بيروت.
وسيؤدّي الاستسهال وسياسة "النأي بالنفس" في هذا المجال، والاستسلام الى المقولات التي جرى تكليف الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني – السوري نصري خوري بنقلها، الى نتائج يصعب تقديرها.