عندما قام بطرس الأكبر بإنشاء البحرية الروسية في العام 1696 لم يخطر بباله أبداً أن تكون هذه البحرية نفسها في يوم من الأيّام سبباً في الإنتظار ببرودة أعصاب لا مثيل لها من الجانب الروسي أمام إراقة الدماء السورية بوحشية قلّ نظيرها.
البحرية الروسية تُقسِّم إلى: "الأسطول الشمالي"، "الأسطول الروسي في المحيط الهادىء"، "أسطول البحر الأسود"، "أسطول البلطيق" و"أسطول بحر قزوين". ومن المتوقع أن يصل حجم تمويل إعادة تسليح وإنتشار البحرية الروسية بحلول العام 2015 إلى أكثر من 45 مليار دولار.
هذه المبالغ الكبيرة من الموازنة الروسية التي يُفترض أن تُنفَق على البحرية الروسية أو "الأسطول البحري الحربي" بحلول العام 2015 على أبعد تقدير تواجه اليوم خطرين محدقين يتمثلان في نظامين عربيَين. الأول نظام علي عبدالله صالح في اليمن والثاني نظام بشار الأسد في سوريا. وهنا المفارقة المضحكة المبكية، فزوال نظام صالح في اليمن يعني أن المحادثات المتعثرة مع الرئيس اليمني (بسبب تعنّت الأميركيين) حول نشر قطع بحرية روسية في خليج عدن ستصل إلى خواتيمها المرجوة. أما زوال نظام الأسد فقد يعني العكس تماماً.
موسكو اليوم قلقة جداً من إحتمال سقوط نظام الأسد لسبب واحد، وهو ان لدى الكرملين قاعدة بحرية روسية في ميناء طرطوس السوري، هي القاعدة الوحيدة التي تقع خارج أراضي الإتحاد الروسي (تجديد وإعادة تسليح هذه القاعدة تقع في أعلى سلّم أولويات موسكو) لأن الأسد وافق على جعل هذه القاعدة قاعدة دائمة للسفن الحربية الروسية التي تعمل على الطاقة النووية. ولم تكن زيارة الطراد الروسي النووي "بطرس الكبير" يرافقه ثلاث سفن حربية روسية في الثاني والعشرين من أيلول من العام 2008 سوى خطوة أولى وتجربة مبدئية في هذا لإتجاه. (لم يتم الإعلان رسمياً عن هذه الزيارة)
إذاً المواقف الروسية تجاه الثورة السورية لم تأت من عشقها لنظام الأسد ولا من تأييدها لذبح المتظاهرين المطالبين بالحرّية، بل من حرصها على إبقاء موطىء قدم لها في الشرق الأوسط على تخوم إسرائيل (حليفة الولايات المتحدّة الأولى في المنطقة) و تركيا (التي وافقت اخيرا على نشر درع الناتو الصاروخية على أراضيها) وجلّ ما تريده روسيا لتغيير مواقفها وسحب البساط من تحت رِجلَي الأسد هو خلق جسم متماسك لقيادة الثورة السورية، هذا الجسم الذي سوف يشكّل نواة النظام القادم لفتح قنوات إتصال معه لضمان إستمرارية قاعدة طرطوس البحرية الروسية، وفي هذا السياق لم تكن دعوة الكرملين للمعارضة السورية لزيارة موسكو سوى لجس نبض هذه المعارضة من ناحية إبقاء وجود روسيا البحري في البحر التوسط بعد زوال نظام الأسد.