#adsense

“المستقبل”…الصفدي حين يتكلم: مغالطات وتناقضات

حجم الخط

كتب المحرر الاقتصادي في صحيفة "المستقبل": أطل وزير المال محمد الصفدي على اللبنانيين مساء الأحد في 16 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري عبر شاشة تلفزيون الجديد، في مقابلة مطوّلة كان اللبنانيون يأملون خلالها معرفة الأسباب التي أملت على وزير المال أن يقدم موازنة العام 2012 فضفاضة خالية من التوقعات متوسطة الأجل والتي تظهر وضعية المالية العامة المرتقبة للأعوام الثلاثة المقبلة. إلا أن أجوبته ومداخلاته أتت سياسية بامتياز، وخالية من المضامين المالية العلمية المدعمة بالأرقام والحجج العلمية.

كما أن أجوبة الصفدي لم تخل من محاولات بائسة لتزوير الحقائق، محملاً حلفاءه الجدد في الحكومة مسؤولية الهجوم على الموارنة من دون أن يستثني بالطبع المعارضة، التي من صلب مهامها مراقبة ومتابعة أعمال الحكومة، بما فيها وزارة المال.

وتلقي "المستقبل" في هذا التقرير الضوء على المغالطات التي وقع فيها الصفدي.

1 في معرض شرح وزير المال للأوضاع الاقتصادية في العالم وانعكاسها على الوضع اللبناني، تحدث الصفدي عما يحدث من تطورات في العالم، خصوصاً المشهد الأوروبي ووضع اليونان "الذي يتجه الى الإفلاس لأنها تمادت في الاقتراض من دون القيام بحساباتها عن إمكان التسديد، كما نرى إيطاليا في وضع لا تحسد عليه وكذلك إسبانيا والبرتغال". وقال الصفدي أيضاً أن ما يسندنا نحن في لبنان هو تاريخنا في الإيفاء بالتزاماتنا الدولية "لكن هذا لا يعني أننا في الأحوال المحيطة فينا وأحوال أوروبا والعالم كله، المالية والاقتصادية، نستطيع أن نغمض أعيننا عما يحصل بل نحن مرتبطون بهذا العالم ونحن جزء منه… وإذا كان من الضروري في موازنة الـ 2012 ألا نزيد عجز الموازنة عما كان عليه مع العمل على زيادة الاستثمارات في البنى التحتية وكل الاستثمارات التي تشجع القطاع الخاص والاستثمارات الأخرى".

لا بد من تذكير وزير المال أن الحكومات المتعاقبة عملت جاهدة على تحقيق أمور ثلاثة. أولاً تحقيق معدلات نمو مرتفعة بلغت بين 8 في المئة و9 في الأعوام الأربعة الماضية. ثانياً، خفض نسبة الدين العام الى الناتج المحلي، وهو ما تم تحقيقه حيث جرى خفض النسبة من 180 في المئة الى ما دون 135 في المئة. وثالثاً، الاستمرار في إيفاء لبنان بالتزاماته المالية خصوصاً نحو المقرضين وفي احترام لبنان لالتزاماته تجاه المجتمع الدولي.

هذه الأمور الثلاثة اعترف الصفدي بأهميتها وضرورة الالتزام بها. إلا أن ما طرحه في الموازنة، لم يكن إلا نقيض تلك الأهداف رغم محاولته تجميل الأرقام. ولهذا، وفي ضوء ما تقدم، يجدر طرح التساؤلات الآتية: هل زيادة الإنفاق الجاري بما يقارب 13 في المئة (من دون احتساب كلفة زيادة الرواتب الإضافية التي قد تبلغ كلفتها بما يراوح بين 900 1100 مليار ما يرفع هذه النسبة الى حدود 23 في المئة)، وخفض الإنفاق الاستثماري بحدود 6 في المئة عن مشروع الموازنة للعام 2011، وإرهاق الاقتصاد بضرائب غير مدروسة، هو أمر عقلاني في وقت يعاني الاقتصاد انكماشاً وتباطؤاً فعليين حيث انخفض النمو من 5 في المئة الى 1,5 بعد أن كان في حدود 8,5 في المئة؟

2 في معرض تفسيره للهجوم الذي تتعرض له الموازنة، من داخل البيت الحكومي، أقر الصفدي بوجود تناقض واضح بالتوجهات الاقتصادية والمالية بين مختلف الأفرقاء من داخل الحكومة، ما يدل على عدم وجود برنامج اقتصادي واضح وموحد لهذه الحكومة. فقد ورد في مداخلته في هذه النقطة أن "هناك أشخاصاً من ضمن الحكومة يقدمون المواعظ في الصحف للقيام بانتقادات وهم وزراء، وأنا كنت أتمنى عليهم أن يناقشوا في مجلس الوزراء… هذا المشروع سيمر بأكثر من مكان قبل إقراره فلماذا هذا الاستعجال بالهجوم على أمور معينة أصبحت أسبابها واضحة. هذا الهجوم سببه تضارب السياسات الاقتصادية بيني وبين مجموعة سياسية معينة ويظهر أن رؤية (وزير العمل) شربل نحاس تتعارض مع رؤيتنا الاقتصادية".

إلا أن الصفدي لم يطلع الرأي العام على رؤيته الاقتصادية التي كان يجب أن ترد في موازنته المليئة بالتناقضات. ألم يكن من الأجدى أن تعد الحكومة رؤيتها وبرنامجها الاقتصادي وتحدد أولوياتها على الصعد القطاعية والاجتماعية والبيئية وغيرها لتكون الموازنة انعكاساً لها، وبالتالي يعرض وزير المال على المواطنين اللبنانيين وعلى شركاء لبنان الخارجيين صورة متناسقة للمشروع الاقتصادي والمالي الذي يعتقد أن بإمكانه حينئذ أن يقود سفينة المالية العامة؟

3- لقد أضاف الوزير في شق آخر من حديثه التلفزيوني "بدون شك هناك اختلاف بالرؤية الاقتصادية وهناك خلاف، إذ كان من المنتظر أن أدخل الى وزارة المال ويدخل الإعلام معي ليدخل الفضائح من هناك، ولكن نحن لسنا وزارة فضائح، وأنا رفضت أن أعطي أي معلومات بالعمل الذي نقوم به داخل الوزارة. أنا عندما أجد أخطاء أحولها بطريقة صحيحة الى النيابة العامة المالية وهي تتخذ الإجراء المطلوب".

بتعليقه هذا، أقر الصفدي بأنه كانت هناك حملة ممنهجة ومبرمجة على وزارة المالية هدفها تشويه الحقبة السابقة، ورميها بالكثير من سهام الشك. ففي معرض رده عن سؤال عما إذا كان ينتظر منه أن يفضح من سبقه ونشر فضائح وزارة المالية الى العلن، أجاب "إذا كانت هناك فضائح، هناك أشخاص كانوا يتكلمون كثيراً على وزارة المالية ولم يعد هناك ما يقولوه فأصبحوا يخترعون أي شيء ليمسوا وزارة المالية ولا أريد الدخول بتفاصيل".

أما في معرض رده على سؤال محاوره عن الدين وعجز الموازنة، قال: "يجب ألا ننسى أن هناك ديناً ورثناه حجمه حتى آخر السنة الحالية يكون بحدود الستين مليار دولار، وعملياً هذا الحجم يضاف إليه الفوائد وكلفة الدين في العام 2012 هي 3 مليارات و855 مليون دولار. والحقيقة هذا هو عجز الموازنة ولو لم يكن هناك فوائد لما كان عندنا عجز ونحن لسنا بحاجة الى ديون".

لا بد من تذكير الصفدي انه كان نائباً ووزيراً أقله خلال السنوات الخمس الماضية، فكيف يدعي بأنه ورث هذا الدين.

إلا أن أخطر ما قاله ان "حجم الدين العام سيكون بحدود الستين مليار بنهاية السنة الحالية". إن كلامه هذا يعني أن عجز المالية العام خلال العام 2011 سيكون بحدود 7,4 مليارات دولار أو ما يعادل 11,100 مليار ليرة. لكن الدين القائم بلغ في نهاية العام 52,62010 مليار دولار، علماً ان عجز المالية العامة بلغ ـ حسب أرقام المالية العامة التي نشرها الصفدي وحتى نهاية تموز (يوليو) ـ 2,155 ملياري دولار وبقي حجم الدين العام بالمستوى ذاته وفقاً لإحصاءات الوزارة. فكيف سيصل العجز الى 11,100 مليار بنهاية العام 2011 حتى يرتفع الدين العام الى 60 ملياراً؟

4- لقد ورد في حديث الصفدي في معرض رده عن الأعمال التي تقوم بها الوزارة، ان هذه الأخيرة تقدمت بمشروع الموازنة ضمن المهلة الدستورية، وان الموازنة "استثمارية كاملة حسب المطلوب". وعن إنجاز قطع حساب السنوات التي لم يقطع حسابها "بدأنا بورشة كبيرة لتدقيق حسابات منذ العام 1993 لغاية 2010 وسننتهي منه خلال سبعة أشهر". وعن مبلغ الـ11 مليار "نحن عملياً في العام 2005 كانت آخر موازنة أقرت ووافق عليها مجلس النواب ومنذ 2005 لغاية اليوم لم تحصل أي موازنة يوافق عليها المجلس إذاً سوف نعتبر ان أي إنفاق خارج موازنة 2005 هو إنفاق غير قانوني بغض النظر أين ذهب هذا الإنفاق". وفي عملية تدقيق الحسابات "نحضر الحسابات منذ العام 2010 رجوعاً الى العام 1993 وهذه الحسابات ستكون موجودة ومدققة وأنا أقول ان الصرف الماضي لم يكن قانونياً ولكن أيضاً ربما يكون له أسباب موجبة لا أعرفها حتى اليوم".
لقد تطرق الصفدي في معرض حديثه أعلاه، الى موضوعين أساسيين:

– الأول المتعلق بقطع الحساب وحساب المهمة: بالنسبة الى قطع الحساب، تجدر الإشارة الى ان قطوعات الحسابات من العام 1993 وحتى 2003 منجزة ومقرّة من المجلس النيابي، والتي صوّت الصفدي أقله على قطع حساب 2003 في الحكومة عند إقراره بصفته وزيراً، وكذلك صوّت عليه بوصفه نائباً عند إقراره في مجلس النواب. كما ان قطوعات حسابات الأعوام 2004 وحتى الأعوام 2005 ضمناً أحيلت الى مجلس الوزراء الذي أجل بتها وألّف لجنة لايجاد معالجة قانونية لقطوعات حسابات الأعوام 2006 وحتى 2009 ضمناً كون موازناتها لم تقر من قبل المجلس النيابي. إلا أن ما كان يجري في مجلس الوزراء من مناكفات سياسية وصولاً الى تعطيل مجلس الوزراء، ومن ثم الاستقالة، حالت دون ايجاد الصيغة النهائية في مجلس الوزراء.

أما بالنسبة الى حسابات المهمة، فلا بد أن يكون وزير المالية قد اطلع على مراحل إنجاز حسابات المهمة منذ العام 1993 وحتى العام 2010 ضمناً. حيث تم إنجاز حساب مهمة الأعوام 1993 وحتى العام 2000 ضمناً وأحيلت كلها إلى ديوان المحاسبة الذي أبدى حولها بعض الملاحظات الا ان أهمها يتعلق بميزان الدخول، مروراً بمواءمة الحسابات بين لائحة الحسابات القديمة ولائحة الحسابات الجديدة التي اعتمدت بالتزامن مع اعتماد نظام القيد المزدوج من مطلع عام 1997. كما ان حساب مهمة الأعوام 2001 وحتى 2008 ضمنا منجزة من قبل الادارة وبانتظار معالجة معضلة ميزان الدخول كي يصار الى استكمالها وتدقيقها من قبل مديرية المحاسبة.

لقد وضعت وزيرة المالية، في الحكومة السابقة، ريا الحسن، خطة عمل لانجاز حسابات المهمة عن الأعوام 2001 وحتى 2010 ضمناً، وإعادة تكوين حسابات مهمة أعوام 1993 وحتى 2000 ضمنا بناء على الملاحظات التي ابداها ديوان المحاسبة على تلك الحسابات. كما وضعت الحسن مشروع قرار مشترك مع ديوان المحاسبة بعد موفقة ديوان المحاسبة عليه، تنفيذا للمادة 23 من قانون موازنة العام 2005 والتي أقرت في شباط (فبراير) 2006، والذي أوجد الاطار القانوني لمعالجة معضلة ميزان الدخول. مع الاشارة الى ان الوزير الصفدي وقعه وصدر منذ مدة وجيزة كما اعدته الوزيرة.

كما تجدر الاشارة الى ان جميع عمليات وزارة المالية وقيودها المحاسبية مدونة وموثقة ومؤيدة بمستندات ثبوتية، وهذا باعتراف الصفدي وفق كتابه الذي ارسله الى ديوان المحاسبة أخيراً.

وفي المقابل، فان الصفدي لم يطلع لجنة المال والموازنة الى الآن على خطته لانجاز تدقيق الحسابات واخراجها بالصيغة النهائية. بل كل ما هو متداول انه لا يزال في طور وضع خطة الانجاز تلك الحسابات. كما انه وبناء لطلبه، وافق مجلس الوزراء أخيراً، على طلب الوزير الاستعانة بشركة تدقيق عالمية، أحد مهامها وضع خطة لانجاز تلك الحسابات. فكيف يقول انه بحاجة الى 7 اشهر لانجازها قبل وضع تلك الخطة.

– الموضوع الثاني المتعلق بالانفاق خلال الأعوام 2006 وحتى 2009 ضمنا، وما سمي بموضوع الـ 11 مليار دولار. مع الاشارة الى انه تعدى 16 ملياراً في نهاية 2010، ومن المتوقع ان يقارب الـ 21 ملياراً في نهاية العام 2011.

لقد وصف الصفدي هذا الانفاق بـ"غير القانوني"، بالرغم من انه انفاق قانوني وفق النصوص المرعية الاجراء، خصوصا في غياب الموازنات، وبالاعتماد على قانون المحاسبة الذي يجيز الانفاق بسلف خزينة في الحالات الضرورية والاستثنائية، وبالاعتماد على مبدأ استمرارية المرفق العام.

لا بد هنا ان نطرح التساؤلات التالية:

– هل اطلع الصفدي على المبالغ التي انفقتها وزارة الاقتصاد التي شغلها سنوات عدة؟ وكم كانت المبالغ التي انفقتها اضافة الى القاعدة الاثني عشرية؟ هذا فضلا عن انفاق هذه الوزارة من خارج الموازنة خاصة السلفات التي أعطيت دعماً للقمح؟

– الم يوافق الصفدي على كل سلفات الخزينة التي صدرت بمراسيم بناء على قرارات مجالس الوزراء المتعاقبة بما فيها حكومات الوحدة الوطنية.

– الم يوافق الصفدي على الانفاق وفق اعتمادات موازنات الأعوام 2006 وحتى العام 2011 ضمنا بما خص النفقات الجارية والضرورية التي تفرضها مبدأ استمرارية المرفق العام؟

– هل يطلعنا الصفدي كم ينفق اليوم بغياب موازنة مقرة وبغياب قرار مجلس الوزراء الذي يجيز الانفاق وفق اعتمادات موازنة العام الجاري؛ التي لم يرفعها الى مجلس الوزراء؟

– الم يعد الصفدي مشروع قانون لتغطية الانفاق الاضافي، عبر طلبه اعتمادات اضافية بقيمة 8900 مليار ليرة من دون اي تفاصيل قبل البدء بدرسه في لجنة المال والموازنة والتي لم تكن لتحصل على الجزء القليل الذي ارسلته وزارة المالية لولا اثارة نواب كتلة المستقبل لمخالفات هذا القانون خلال دراسته في اللجنة؟

– الم يرفع الصفدي أخيراً طلباً الى مجلس الوزراء لاعطائه الاجازة بالصرف وفق اعتمادات مشروع موازنة العام 2010؟

هذا غيض من فيض من مغالطات يقع فيها وزير المالية…

 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل