سكت الجنرال عون على غير عادته دهراً عن مسألة ترشيش، ثم أنعم علينا بتصريح تهديدي قال فيه: هل تحتاجون إلى عبرةٍ أُخرى بعد 7 أيار 2008، مثلاً 7 تشرين الثاني؟ وهكذا فقد حدَّد للحزب وقواته وكتائبه المسلّحة تاريخاً يقومون فيه باحتلال ترشيش لمدّ الشبكة الشهيرة! وما احتاج عون كما لم يحتج الحزب هذه المرة إلى التعليل والشرح: إمّا السماح بمرور الشبكة أو الويل والثبور وعظائم الأمور· ما عاد هناك كلامٌ عن ضرورتها للمقاومة، وعن إسهامها المقبل في الانتصار على تل أبيب·· إلخ· لقد صارت هذه القرية النائية في أعالي المتن وجبال لبنان (بين جبلي الكنيسة وصنين) رمزاً لمقاومة استيلاء الحزب ومسلّحيه على الأرض والإنسان في لبنان· و هذه العملية تجري منذ سنواتٍ استناداً إلى عاملين اثنين: التآمر من جهة، والتخاذُل من جهةٍ أخرى· ولا أقصد بالتآمر حزب الله ومسلّحيه فهؤلاء مشروعهم مُعلَن وليسوا بحاجة الى السرّية والائتمار، فهو يخبرون العرب والعالم أنهم في كل ما يقومون به إنما يريدون التصدي لاسرائيل، اما جمهورهم الموالي يقولون له انهم يريدون القوة فالقوة لاخضاع الداخل وارهاب الخارج·
إنني أقصد بالتآمر امثال الجنرال عون والاحزاب الأُخرى الصغرى والشخصيات الحليفة له ولسورية، هؤلاء يعتقدون انهم باستظلالهم بالحزب انما يعينهم ذلك على الاستئثار بالسلطة والنفوذ في الأوساط المسيحية والحكومية، ويُسهمون الى جانب الحزب في قهر الاكثرية الاسلامية التي يحاولون إيقاظ وعيٍ في اوساط المسيحيين بمظالمهم التاريخية معها، وهم يعتقدون انهم يستطيعون اقناع من لم يقتنع بفوائد تحالف الأقليات هذا، والذي كنا نظن رأسه في سورية، لكن تلفزيون المنار اخبرنا انه تحالف عريض يمتد من ايران الى العراق الى سورية الى لبنان وفلسطين! إمّا الواقع فهو ان هؤلاء المتآمرين انما يتآمرون عل انفسهم ومستقبلهم ومستقبل طوائفهم وفئاتهم وابنائهم واحفادهم، وكلُّ ذلك من اجل حفنة من السلطة والماديات، وهي على وشك الانقضاء بأيدي الثوار العرب وفي العراق وسورية وفلسطين، والتي يعتقد هؤلاء انها معهم·
وإذا كان الحديث عن المتآمرين على ترشيش ولبنان، يحتاج الى تفصيل وأسباب، فإن العامل الآخر عامل التخاذُل، لا يحتاج الى الكثير، فالساكتون من رسميين ووزراء بمن فيهم رئيس الحكومة لم يحاولوا الدفاع عنها او صونها من الذوبان والتسرب الى اواني المسلحين وجيوبهم، فهؤلاء ما قال احدٌ منهم شيئاً امام مناورات الامين العام لحزب الله، ولا قالوا شيئاً عن الاختراقات السورية للحدود، ولا عن خطف الناس من شوارع مُدُننا وارسالهم الى سجون النظام السوري ومقاصله· ثم انهم ما قالوا شيئاً ولن يقولوا عن افساد السياسة الخارجية للبنان، ولا عن الاستيلاء المتمادي على الاجهزة العسكرية والامنية، ولا عن القرارات الدولية وانتهاكها – وقبل ذلك وبعده لا يرون انهم بحاجة الى تبرير مشاركتهم من مواقع التبعية في حكومة حزب الله، والذي تتهم المحكمة الخاصة بلبنان اربعة من اعضائه في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والجرائم الاخرى· لماذا يتخاذلُ هؤلاء؟ انهم يعتقدون انهم بذلك يحافظون على مناصبهم، وهي المناصب التي تذوبُ بسرعة تحت وطأة استيلاء الحزب والنظام السوري·
عندما هجم علينا الحزب بشبكته في ترشيش قبل ثلاثة اشهر، ما وقف معنا غير حزب الكتائب، وقد توقف حزب الله وقتها عن المتابعة تحت وطأة الاعلام، وكان موقف بلدية ترشيش ممتازاً، لكننا حصنّاها ايضاً بلجنة متابعة شكّلها الاهالي· ثم هجم الحزب مرة اخرى قبل عدة ايام، وربما اراد تمرير الشبكة قبل ان يحول دونه الشتاء والثلج في تلك المناطق المرتفعة، وما نزال صامدين، وسنعتبر كلام الجنرال عون إنذاراً بيوم اجتياح محتمل، ونحن لا نطلب توقف المتآمرين عن التآمر على بلادهم، فهم لن يتوقفوا، لكننا نخشى مكائد المتخاذلين، فهؤلاء لا يحبون ان يظهر احدٌ بمظهر الرفعة والصمود، ألم تقرأوا ما ذكره القرآن الكريم عن <قوم لوط>، انهم قالوا: <أخرجوهم من قريتكم انهم أُناسٌ يتطهّرون>، اي اطردوا لوطاً من القرية مع اتباعه، لانه يتظاهر بالنظافة والاستعصاء على الفساد!