لا يكفّ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عن إغراق البلاد والسفارات والعواصم المعنية بالوضع اللبناني، في ما عدا دمشق وطهران، بوعود مفادها انه يحترم القرارات الدولية، ويلتزم تعهدات لبنان الخارجية ولا سيما ما في يتعلق بالمحكمة لجهة التمويل، فضلا عن انه يذهب الى ما هو ابعد من ذلك بالقول إنه سيستقيل إن لم يتمكن من امرار بند تمويل المحكمة في الحكومة او مجلس النواب! وينقل عنه انه وعد الاميركيين والفرنسيين، واوصل رسائل الى اطراف عرب معنيين انه لن يقبل ان يكون "ألعوبة" بيد "حزب الله" او النظام في سوريا في ما يتعلق بقضية يزعم هو انها "عزيزة" على قلبه، عنينا قضية العدالة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري التي تتعلق ايضا بالمزاج العام السني في البلد، وخصوصا ان المتهمين باغتيال الحريري تابعون لـ"حزب الله" اي المرجعية السياسية والامنية والعسكرية والمعنوية الاساسية للحكومة التي يترأسها.
في المقابل، وفي اطلالته الاعلامية الاخيرة، يؤكد الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ان التمويل مرفوض قطعا من جانب "حزب الله"، داعيا نجيب ميقاتي للاحتكام الى رأي الاكثرية من خلال التصويت في مجلس الوزراء، ومكررا بتهكمه المعهود ما سبقه اليه الجنرال ميشال عون قبل اسابيع، أن من يريد تمويل المحكمة فليمولها من جيبه الخاص!
بناء على ما تقدم، ثمة من يطرح السؤال البديهي: هل يقدم نجيب ميقاتي على الاستقالة اذا صدق توقع نصرالله ان التمويل لن يمر؟ وحده ميقاتي ومن اتى به الى رئاسة الحكومة يملكون الاجابة عن السؤال. لكن بعض من يعرف الرجل يؤكد انه ليس في وارد الاستقالة، بل انه يناور، ويكسب الوقت في انتظار ان تتضح الصورة سورياً، ويراهن على عامل الوقت كي يكتسب الشرعية التي افتقدها يوم أتى الى رئاسة الحكومة محمولا بانقلاب دستوري صامت نفذه "حزب الله" والنظام في سوريا معاً. وأكثر ما يدفع ميقاتي بحسب هؤلاء العارفين الى المراهنة على الوقت، انه استشعر اخيرا تعاملا غربيا مختلفا معه يقال انه نابع من تقدير اميركي – فرنسي يرى في بقاء ميقاتي في المرحلة الانتقالية الحالية افضل الممكن كأحد عوامل الحفاظ على الحد الادنى من البرودة في الساحة اللبنانية. ويعرف ميقاتي ان لبنان راهنا ليس اولوية، بل سوريا حيث المعركة الكبرى. ونجيب ميقاتي، الابن الشرعي لبشار الاسد، يدرك ان عليه المناورة على جميع المستويات، تارة مع السوريين ليجدد الطاعة، وتارة اخرى مع "حزب الله" الاب الروحي الآخر لحكومته! وهو يناور مع العرب ويتسلل الى السعودية مرة من باب العمرة، ومرة ثانية من باب جنازة الامير سلطان، ويبعث برسالة شخصية الى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يخال المرء ان مرسلها هو سعد الحريري نفسه. ويتسلل الى اميركا عبر الامم المتحدة ليسرق لقاء مع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في مكتب رئاسة مجلس الامن، مغدقا عليها الوعود حتى بأكثر مما تحلم به!
خلاصة القول، إن نجيب ميقاتي يشتري الوقت ليس إلاّ!