#adsense

المحكمة أهم من الحكومة !

حجم الخط

لم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري حدثاً عابراً في التاريخ اللبناني، بل كان محطة فاصلة بين مرحلتين، مرحلة الوصاية التي ارتبطت بخريف لبناني أوصد الباب أمام الحريات والتطور وإمكان تطبيق الطائف بصورة جيدة ومتوازنة، ومرحلة التحرر التي ارتبطت بربيع لبناني أتى مبكراً وفتح الباب أمام انطلاق عصر الحريات في العالم العربي ولو أنه عاد وتعثر في لبنان لأسباب كثيرة.

والمحكمة التي جاءت لترسم معالم الحقيقة ليست هي الأخرى حدثاً عادياً في بلد انطلقت فيه أعمال الاغتيال السياسي بهدف وضع اليد عليه. فالمحكمة هي أساس لمستقبل لبنان الخارج من حقبة استبداد داخلي وخارجي وعملية قهر أربكت العلاقة بين مكوناته، وهي أيضاً الكفيلة بكشف الحقائق ووقف عمليات الاغتيال السياسي التي أودت بخيرة أبناء البلد.

فمشكلة لبنان هي أنه دولة تتنازعه دول المنطقة والمحاور الإقليمية، والتحديات التي تقف في وجه استقراره وتقدمه ليست لتقتصر على التحدي الإسرائيلي فقط. أضف إلى أن الوقائع التي تكشفها التطورات في الربيع العربي لا تدع مجالاً للشك في أن الإجرام هو سمة من سمات الحقبة التي تصدرتها أنظمة استبدادية وحكام مستبدون والتي لم يكن لبنان بمنأى عن تأثيراتها.

لذلك، فإن النقاش الذي يدور حول تمويل المحكمة هو نقاش يقع في جوهر المسألة الداخلية ويساهم في تحديد لون البلد وتوجهاته وموقعه في الربيع العربي، وليست الحكومة إلا واحدة من سلسلة حكومات تتعايش مع "عصر" المحكمة الذي عليه أن يطوي درب الآلام اللبناني، وبالتالي ليست هذه الحكومة، كما غيرها من الحكومات، أهم أو أجدى من بقاء المحكمة.

ثم أن إحالة الأسباب الموجبة لوفاء لبنان بحصته من تمويل المحكمة على مبررات خارجية تتعلق بضرورة احترام لبنان لالتزاماته الدولية فيه انتقاص من الحقيقة، فالمحكمة هي حاجة لغالبية اللبنانيين بغض النظر عن التزامات لبنان واحتمال تعرضه لعقوبات اقتصادية جراء وقف التمويل.

والتداعيات الداخلية لقرار مثل هذا سيكون له وقع سلبي أكبر بكثير من العقوبات وسيهدد الاستقرار الداخلي إلى آجال طويلة، لأنه يقوم على مبدأ ضرب العدالة وانكشاف الحياة السياسية أمام منطق العنف والإجرام، وهذا بحد ذاته يشكل خطراً على الوضع اللبناني برمته وعلى كل مكونات لبنان وطوائفه وأحزابه من دون استثناء.

لذلك، فالمحكمة ملازمة للاستقرار الداخلي، وهي شرط أساسي للسلم الأهلي، خصوصاً بعد صدور القرار الاتهامي الذي يحتاج إلى عملية قضائية تظهر الحقيقة.
وبالتالي، فإن طي ملف الاغتيال السياسي والتوقف عن استعمال القوة والعنف في الداخل يشكلان الحد الأدنى الذي يؤهل لبنان للانتقال إلى الاستقرار الفعلي، ومن دون ذلك يبقى أي عمل تقوم به الحكومة هذه، أو أي من الحكومات، من دون مضمون استراتيجي يصب في مصلحة لبنان البعيدة المدى.

فالفريق المتمسك بالمحكمة ليست لديه خيارات سوى التشبث بها حتى النهاية، ولم يعد لديه ما يخسره بعدما جُرّد من مكتسباته بسببها، وبعدما انحدرت الأوضاع الداخلية إلى مستوى يسوده الفلتان الأمني والسياسي، أما الفريق الذي يرفض المحكمة فلديه عدد من الخيارات المتاحة أمامه، وهو يستطيع التعاون معها لدفع الاتهامات والتحصّن بإجراء تسوية سياسية تعيد الاعتبار الى صيغة الوحدة الوطنية التي تحمي كل اللبنانيين من التداخلات الخارجية.

عضو مجلس قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل