.jpg)
خطيئة مميتة ارتكبتها حكومة حسان دياب بالتخلف عن دفع سندات اليوروبوند في آذار 2020، ليأخذ المسار الانهياري بعدها خطوطاً جديدة، أبرزها التصنيف الائتماني للبنان الذي وضع عند المرتبة الأدنى في سلم التصنيف. واليوم، يزيد القلق إثر معلومات عن إمكان سيطرة شركات خاصة تملك أسهماً في السندات، على أصول الدولة اللبنانية.
الخبير الاقتصادي والمصرفي نسيب غبريل، يؤكد، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن قرار حكومة حسان دياب كان متسرعاً وسياسياً لا تقنياً، ويندرج ضمن إطار التعثر غير المنظم. كان ثمة خيارات أخرى. إجمالاً، الحكومات التي تحاول الحفاظ على احتياطي مصارفها المركزية بالعملات الأجنبية تدرس كافة الخيارات الموجودة في هذه الحالة”.
ويلفت إلى أنه “صحيح أن الأزمة بدأت قبل هذا القرار وهو ليس السبب الوحيد لها، لكن حكومة دياب ضحت بمصداقية لبنان التي راكمتها الدولة اللبنانية عبر عشرات السنوات، بتسديد استحقاقاتها الخارجية بغض النظر عن الأوضاع الاقتصادية والمالية والسياسية في لبنان والمنطقة، وهذا القرار أفقد الدولة اللبنانية مصداقيتها”.
“كان هناك خيارات أخرى”، وفق غبريل الذي يشدد على أنه “كان يمكن التخفيض من الدفعات المتوجبة على الدولة في العام 2020 ومنها تعليق دفع الفوائد ومفاوضة حاملي سندات اليوروبوند على إعادة جدولة السندات أي تطويل مدة التسديد، وخصوصاً أن جدول التسديد كان مؤاتياً للحكومة، وكان يفترض درس الخيارات الأخرى بطريقة مفصلة وجدية، إذ هناك جدول استحقاقات لصالح الدولة اللبنانية، فلو تم الاتفاق مع حاملي السندات على تعليق دفع الفوائد وإعادة جدولة تواريخ الاستحقاقات لكان اختلف الأمر”.
ويعتبر أنه “كان أمامهم سنة كاملة لبدء المفاوضات والاتفاق مع صندوق النقد الدولي، لأن البلدان، إجمالاً، التي تتخذ قراراً حساساً كالتعثر، لا تلجأ إليه بشكل غير منظم، إنما تبدأ بمحادثات مع الصندوق لتبيان جدية السلطات في البلد، وبالتالي الاتفاق مع الصندوق يحافظ نوعاً ما على الاستقرار وهو ما لم يفعله لبنان”.
“لم يتم التواصل مع حاملي سندات اليوروبوند ولا أي مفاوضات”، وفق ما يؤكد غبريل ويقول، “الوزير السابق كميل أبو سليمان نادى علناً أكثر من مرة لمفاوضة حاملي سندات اليوروبوند وشراء الأسهم منهم، لكن لا استجابة للنصيحة”. كان يفترض أن يسبق قرار حكومة دياب البالغ الخطورة، مفاوضات على خطة شاملة وتواصل مع حاملي السندات، وعندها تكون وطأة القرار أخف لأن ثمة اتفاق مع الصندوق، وحاملو السندات موافقون لكن للأسف في آذار 2020 لم يتم أي شيء من هذا”.
“في أواخر شباط 2020، بلغ احتياطي مصرف لبنان 29 مليار و500 مليون دولار، للعملات الأجنبية، وكان هناك خيارات أخرى أمام الحكومة. اليوم، بقي من الاحتياطي لدى المركزي 9 مليارات و700 مليون دولار، وإذا وضعنا أمام الخيار ذاته، يمكن دراسة الأمر بطريقة سلسة أكثر واتخاذ قرار متزن وواضح أكثر”، وفق غبريل.
ويرد على “المسوقين لقرار التعثر الذين يعتبرون أن تصنيف لبنان الائتماني كان منخفضاً”، بالقول، “كان يجب إيجاد السبل لرفع التصنيف لا إلى تخفيضه لأدنى درجة على سلم التصنيفات الدولية، والقرار أدى الى تهميش لبنان في النظام المالي والمصرفي والتجاري العالمي، إذ منذ اتخاذ القرار، لم يعد بإمكان التجار فتح اعتمادات لعملياتهم الخارجية من استيراد وتصدير، وباتت المصارف مجبرة عند فتح اعتماد، وضع 100% حجم الاعتماد كاش مجمد في المصارف المراسلة، والشركات باتت تطالب بدفع مسبق بلا مهل”.
بعد اتخاذ القرار، يلفت غبريل إلى أن “حكومة حسان دياب دفعت مبالغ طائلة لشركة لازارد للتدقيق الجنائي، لإقامة مفاوضات مع حملة سندات اليوروبوند، ثم طلبوا منها تقديم خطة إنقاذ مالية ولم تبدأ بالتفاوض”.
لا يتخوف غبريل على أصول الدولة، ويلفت الى أن “الشركات التي تملك أسهماً في السندات حتى اليوم، متحفظة جداً ولديها الأمل بوضع خطة تخرج لبنان من الأزمة ومن ضمنها المفاوضات مع حاملي السندات. والاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي وقعته الدولة اللبنانية في 7 نيسان العام الماضي يتضمن أحد الشروط المسبقة، وهو بدء المفاوضات مع حاملي السندات وإعادة جدولة الدين العام، لكن للأسف لغاية اليوم لم تبدأ الإجراءات. والشركات تنتظر ولا رغبة لديها في الدخول بدعاوى قضائية، وأحد لا يريد وضع يده على أصول الدولة، لكن هناك تلكؤ كبيراً من الحكومة التي لم تبدأ المفاوضات. والمشكلة الكبيرة اليوم أننا في ظل حكومة تصريف أعمال ولا مجال واسع لديها لتتمكن من إنجاز المفاوضات”.
“لا يجوز استباق الأمور، ولغاية اليوم لم نشهد أي دعوى خارجية بموضوع التعثر في تسديد سندات اليوروبوند، لكن عند بدء المفاوضات، سيتم ذلك في نيويورك، لأن سندات اليوروبوند تخضع لقانون الولاية. واليوم قيمة السندات في السوق باتت 6 أو 7 سنت للدولار أي 6 أو 7% من قيمة السند الأساسي، إثر الإهمال والتلكؤ. ومن هنا، يعتبرون أنهم في المفاوضات يمكن أن يحصّلوا مبالغ أكبر”، وفق غبريل.
ويردف، “يُحكى شعبوياً بشكل كبير عن وضع اليد على أصول الدولة، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، ويجب الحذر، وأصول الدولة كلمة عريضة جداً، ولبنان ليس فقيراً لكن سوء الإدارة أوصلت الوضع الى هذا الحد”.
ويعيد التشديد على أن “القرار سياسي لا تقنياً، وكان هناك رفض تام للاستماع للمصارف المحلية، وتحت شعارات شعبوية من قبيل “لا أحد يمكنه تحمل دفع السندات”، تهربوا من واجباتهم واستنزفوا 12 إلى 15 مليار دولار على الدعم الذي استفاد منه المخزن والمهرب والمحتكر”.
