#dfp #adsense

أمّي والقضيّة

حجم الخط

كلّما كتبت أو تكلّمت أو حاضرت عن القضيّة اللبنانيّة أشعر بنقصٍ يعتريني، أو بتقصير لا أعرف مكمنه. واليوم في عيد أمّي التي استوطنت السّماء منذ خمسة عشر عاماً، أدركت جوهر هذا المكمن، وفهمت أكثر جوهر القضيّة اللبنانية التي أؤمن بها، ونذرت حياتي في مسكنها النسكيّ، حفاظاً على الوصيّة. وصيّة أمّي: لبنان..

هي التي سقتني حبّ لبنان، والاخلاص للقضيّة اللبنانيّة منذ نعومة أظفاري. حملتني وإخوتي يوم كنّا صغاراً وسارت بنا بين أشجار الزيتون يوم هُجِّرنا من مغدوشة في شرق صيدا. والهدف دائماً كان لحمايتنا. وهي التي صلّت لأخي يوح قرّر أن يعمَل وفق ما ربّته، فحمل بندقيّته، دفاعاً عن منطقته، شرقي صيدا. رافقته بالصلاة. فأكمل مسيرته بعد التهجير دفاعاً عن المنطقة الحرّة ولبنان كلّه.

حضنتنا كما تحضن الثلوج أرز الرّبّ. وأحاطتنا بأمان الدّنيا كلّه. كيف أنسى عندما كانت تحملنا في ليالي القصف على مسكننا، وتركض بنا إلى الملاجئ لتحمينا. وتطلب منّا دوماً أن نصلّي لأخينا لأنّه يحمل بندقيّته دفاعاً عن لبنان وعن القضيّة اللبنانيّة لنبقى أحراراً. هي التي ما فتئت تردّد: أحبّوا الغائب ليحضر، والمسافر ليعود، والمريض ليشفى. وهكذا أحبّتنا، وأحبّت لبنان.

يوم شعرت بأنّ أخي يحتاجها بقربه، أرسلتنا إلى منزل جدّي وذهبت لتسانده في ثكنته مع رفاقه انطلاقاً من إيمانها بممارسة فعل أمومتها وحبّها للبنان. وظلّت معه حتّى اللحظة الأخيرة. حمته من غدر اليوضاسيّين، وودّعته مسافراً، ليعود من جديد بعد ثقل بضعة سنين. وتابعت مسيرتها المقاوِمَة في تربيتنا. هي التي درّستني مادّة الرياضيّات ولم أعرف أنّها أمّيّة إلا بعدما نجحت في الشهادة المتوسّطة.

كم أجبرتني على إعادة حفظ دروس التّاريخ الخاصّة بلبنان. وكانت تردّد دائماً، “التاريخ ليس في الحدث بذاته، بل في العبر منه”، وهكذا كانت تفتّش لي عن العبرة من كلّ درس. لم تمنعني يوماً من مزاولة نشاطي السياسي السرّي الذي كانت تعرفه أكثر منّي ولم يكن سرّيّاً عندها. ولم تقل سوى كلمة واحدة، “الله يحميكن يمّي”، وفي لحظات اليأس والقنوط كانت الأمل بالنسبة إلينا جميعنا، رفاقي وأنا. يوم كنّا نزور سيدة بشوات كانت تسألني، “هل صلّيت للحكيم وللشهداء؟ فأجيبها بنعم. لتردّ وتقول: لقد قصّرت يجب أن تصلّي أكثر”.

يوم حملت القضيّة اللبنانيّة وكرزت بها في مسقط رأسي، ازداد خوفها على قدر ازدياد فخرها. كانت تقول دوماً، “قد لا يستحقّونك أو يستحقّون تعبك وجهدك، والخطر الذي تعيشه خلف الخطوط؛ لكن ثق وتأكّد جيّداً يا ابني أنّ الرّبّ يراك ويعلم جيّدًا ما تقوم به من أجل لبنان”، وعندما تلقّت ذلك الاتّصال من “فاعل خير” ونصحها بأن ترجعني قبل أن تستعيدني قطعاً في كيس من ورق أو في صندوق من خشب، لم توفّر جهداً مع الذين أحبّوها لتزرعني من جديد في قلب قلعة الصمود.

عندما حملت ذاك الصليب، تركت كلّ شيء عملاً بقناعتها وأحبّتني أكثر. هي التي علّمتني سرّ الحياة، ومفتاح الرّجاء فيها بكلمتين اثنتين فقط، “لتكن مشيئتك”. وهكذا كان. مشيئته تحقّقت، وعدت من جديد إلى الحياة، وصار صليبي قيامة لي. وانطلقت من جديد. وغزوت رحاب هذه الدّنيا حاملاً ألمي ورافعاً قلمي. رافقتني حتّى رحيلها في ذلك الأوّل من أيلول. وكانت تلك المرّة الأولى التي لم أشارك فيها في قدّاس شهداء المقاومة اللبنانيّة. ذلك القدّاس الذي أوصتني بعدم التخلّف عنه أبداً، لأنّ هؤلاء الشهداء بالنسبة إليها هم ذخيرة القضيّة.

ومنذ خمسة عشر عاماً وهي معي لم تتركني لحظةً. لم يعرفها أيّ من أولادي. لكنّني زرعت في قلوبهم القضيّة اللبنانيّة فأحبّوا جدّتهم التي لم يروها أبداً. لكنّهم أحبّوها لأنّها بنت القضيّة اللبنانيّة. هذه هي أمّي، وهذه هي قضيّتي. بالمختصر قضيّتي هي أمّي وأمّي هي القضيّة. منذ ذلك الأوّل من أيلول بتّ أعشق السماء أكثر فأكثر. فيها رفاقي الذين تربّيت على صورهم وبطولاتهم؛ وفيها وجه أمّي الذي صار وجه قضيّتي.

هكذا أفرح بعيد أمي هذه السنة. أعايد الشمس والسماء والتراب والماء والمطر. وأعايد أمّهات رفاقي الشهداء الأبطال؛ هؤلاء الأمّهات اللواتي افتقدن هذه الغمرة في هذا العيد. وأمّهات رفاقي الأسرى الذين يعايدن اليوم بلوعة وحسرة اشتياقهم لقبلة من فلذاتهم. أعايد كلّ أمّ ربّت أولادها على الوفاء للقضيّة اللبنانيّة وللمقاومة اللبنانيّة. فلولاهنّ لما بقي لبنان. هنّ عصب القضيّة والمقاومة، وإكراماً لتضحياتهنّ سنبني لبنان الذي لطالما حلمنَ به لأجل مستقبل أفضل لنا ولكلّ الذين سيأتون من بعدنا. وطالما هنالك أمّهات مقاومات، يربّين أولادهنّ على الاخلاص للقضيّة اللبنانيّة لا خوف على لبنان.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل