#adsense

كاسيزي: أغفر لهم فهم يعرفون ما يفعلون!

حجم الخط

قبل ان اتعرف شخصياً الى القاضي انطونيو كاسيزي في لاهاي حين انعقد المؤتمر القضائي حول المحكمة الخاصة بلبنان… تعرفت اليه من خلال احكامه وآرائه القانونية!

عرف اجتهاد قضاء القانون الدولي ما سمي "اجتهاد كاسيزي" وهو الحكم الذي قرر فيه هذا القاضي الذي كان يرأس محكمة يوغوسلافيا السابقة "ان مجلس الامن يملك صلاحية انشاء المحاكم الدولية الجنائية الخاصة، وفقاً للمادة 41 من الباب السابع من نظام الامم المتحدة والتي تنص على: "لمجلس الامن ان يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله ان يطلب الى اعضاء "الامم المتحدة" تطبيق هذه التدابير، ويجوز ان يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً او كلياً وقطع العلاقات الدبلوماسية".

"اجتهاد كاسيزي" اعتبر ان المادة 41 تعدد التدابير على سبيل المثال لا الحصر، وانه من سلطة مجلس الامن انشاء المحاكم الدولية الجنائية لحفظ السلام والأمن الدوليين، واصبح "حكم كاسيزي" قدوة، لأن الدفع بعدم الاختصاص وعدم صلاحية مجلس الامن، عاد فطرح مرة ثانية في محكمة رواندا، التي تبنت اجتهاد كاسيزي… وبعد ذلك انشأ مجلس الامن عدة محاكم جنائية دولية ولكن اجتهاد كاسيزي بقي هو السائد ولم يعد يطرح الامر مرة اخرى. اعطى كاسيزي الانسانية تراثاً ستشرب منه الارض وتنتعش. كان قاضياً تطهرت احكامه من سواد الحقد وتبرأت عدالته من حليب الكره.

حين تعرفت اليه في لاهاي في السنة الماضية، تصورت انه طالع من كتاب… ولم تصدق عيناي رؤيته مرصعاً بحروف القوانين.
عرف عنه انه يخرج من ملفات دعاوية وكتبه وقوس قضائه، ليستقبل الناس ويحادثهم ويلاطفهم، ثم يعود آخر الليل لينام في اجفان القوانين والعدالة.
للعدالة لغة مفرداتها وحروفها وابجديتها، وكانت العدالة عند كاسيزي صلاة لها روعة حضارية!

بالنسبة الى المحكمة الخاصة بلبنان، واثر صدور قرار الاتهام ومذكرات التوقيف، كتب كاسيزي في The New York Times ليقول بأن هذا الوقت هو مصيري بالنسبة الى الشعب اللبناني ودولته وبالنسبة الى العدالة الدولية. وهو مصيري ايضاً بالنسبة الى المنطقة. فالأحداث الاخيرة في البلاد العربية تظهر أن الرغبة في العدالة والكرامة الانسانية هي رغبة عالمية. وفي مقاله المذكور، اعتذر القاضي كاسيزي، بتواضع العلماء الذي ميّزه، من الشعب اللبناني ولاسيما من اهالي الضحايا، لطول الاجراءات وتأخرها احياناً، وشكرهم على صبرهم. وقال أن العدالة بطيئة نعم، انما الجرائم المرتكبة معقدة وخطيرة وتستلزم اجراءات تحقيق دقيقة وعادلة وغير منحازة.

جعل كاسيزي العدالة نهراً عظيماً تشرب الانسانية كلها من مائة وليس ضريح رخام ندفن فيه الظلم الذي يلحق بنا. كان عدل كاسيزي زلزالاً يأتي ويرحل تاركاً وراءه قمحاً وورداً وعدلاً. كان جميلاً في مهرجان القبح اللبناني، وكان قديساً في غابة العفاريت في لبنان! كان مؤمناً بين قبائل الكافرين في لبنان!

عندما غزت اسرائيل قطاع غزة كان الوحيد الذي ساند تقرير Goldstone في 14 اكتوبر 2009 الذي دان انتهاكات اسرائيل الخطيرة للقانون الدولي. وادان مرات احتلال اسرائيل للقدس واعتبره مخالفاً للقانون الدولي.
القاضي كاسيزي الذي اعتذر من لبنان… نقف اليوم بخشوع امام ذكراه ونعتذر عن كل من اساؤوا اليه بانتقاداتهم وسوء معرفتهم به، ونطلب من روحه ان تسامحهم لأنهم "لا يعرفون ماذا يفعلون… او بالاحرى كانوا يعرفون ماذا يفعلون مع القاضي النبيل انطونيو كاسيزي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل