




كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1739
روجيه درغام أطفأ كاميرته بأمر من القلب
«كنت صورة جميلة وستبقى»
في «القوات» تعبير يُطلق على الرفاق، فيقولون: «تجوّز القضيي»! في البدايات كنت أظن أنه مجرد تعبير مجازي شاعري وليس أكثر، لكن بعدما توغلنا في التجربة والمعرفة، اكتشفت أن كل رفاقي القواتيين والقواتيات، تزوجوا القضية سواء أكانوا متزوجين أم لا. وروجيه درغام واحدٌ من الرفاق الذي اعتنق هذا القول واختار أن يتزوج فعلا قضيته. فارتباطه بها مقدس، مفعم بالشغف والحب الخالص. لأجلها نذر كل حياته، كل حياته بكل ما للكلمة من أبعاد وتفاصيل. حمل كاميراته الحلوة بعدما أرخى عن كتفيه بندقيته الحلوة، ووقف أمام مشهدية النضال وصرخ «أكشن»… ودارت الصورة وكانت الأنقى لأنها ممهورة بقلب روجيه.
أول معرفتي به لم تكن ودِّية! منذ نحو عشرة أعوام، طلبت منه معراب التفرّغ لبعض الوقت لتلفزيون موقع «القوات اللبنانية»، لتصوير وتوليف الريبورتاجات والفيديوهات ومراقبتها. كانت ملاحظاته كثيرة ودقيقة، وكلما أراد توجيه ملاحظة يقول «فيرا ما تواخذيني بس هيك لازم تكون الأمور» وما شابه. مهنيته العالية ودقته في نشر أي صورة أو فيديو لـ»القوات اللبنانية»، جعلته متحفزاً طيلة الوقت. كنت أهمس بيني ونفسي «يا الله هالزلمي شو صعب»، لكن رفيقي روجيه لم يكن صعبًا كما أنا فهمت يومذاك، بل كان ضنيناً حريصاً على كل تفصيل وصورة وفيديو يمت لـ»القوات اللبنانية» بصلة، وتحديدًا لرئيس الحزب سمير جعجع. «دخلك روجيه ما عندك شي بحياتك غير القوات؟» ولما أراد أن يجيبني فضّل أن يبتسم وأن يترك للأيام أن تجيب عنه…
عبرت الأيام وصار روجيه من بين رفاقي المقرّبين، وكلما التقيه في معراب يركض لملاقاتي «شو أخبارك روجيه، كيفو قلبك؟»، فيشير بيديه الى الحكيم «طالما الحكيم بخير أنا وقلبي بخير ما تخافي»، ثم يبادرني «كيفك فيرا؟ ما رح إسألك عن قلمك بعرف قديشك ملتزمة بس ما تعملي متلي روحي تزوجي»، ونغرق معا في الضحك «أنا متلك مندورة للقضية» ونضحك معًا. ولما يدخل الحكيم القاعة ينسى روجيه وجودي، ينسى الجميع، ويهرع لدوزنة كاميراته على إيقاع قلب الحكيم… قلب الحكيم وليس أقل، لأن ذاك المقاتل القديم الذي أحبّ يومًا بارودته عندما واجه الإحتلالات مع رفاقه الأبطال، أحب أكثر بعد، من بقي على وفائه المطلق لقضية «القوات اللبنانية» وللرفاق الشهداء والأحياء وللبنان، وسمير جعجع.
تفتح صفحة روجيه على فايسبوك، آخر صوره منذ عام تقريبًا، قبل أن يقعده المرض في المستشفى لشهور طويلة، يقف الى نافذة بيته ومن خلفه الثلج، «تلج… تلج… تلج» كتب. تتصفح الصفحة، لا شيء يتعلّق به، لا صورة خاصة، لا صور عائلية واحتفالات وما شابه، صور وفيديوهات عن القوات والرفاق والحكيم أولاً وآخراً. سخّر كاميرته وقلبه وحياته لنقل أنصع صورة عن قضية كرّس حياته لأجلها، عن رجل بالنسبة إليه هو خلاص لبنان لو أراد لبنان فعلاً أن يخلِص نفسه «ما حدن بدو الحكيم لأن بيخافوا منو»، قال لي مرة في أحد لقاءات معراب. كان مؤمنا بأن لبنان من دون «القوات اللبنانية» وسمير جعجع، مصيره الهلاك الحتمي «ما في لبنان بلا القوات، نحنا هون عصب الكرامة ومن دوننا بتروح البلاد» يقول.
لا يمكن أن تصعد الى معراب ولا تجد روجيه يجول في الأرجاء. هو جزء، ليس من المشهدية العامة فوق، بل هو جزء من قلب المكان وروحه، ويوم أبعده المرض عن المكان، كأن قلبه المريض المنهك، اقتُلع من مكانه. لم أره على سرير المعاناة، لكن من رآه أخبر الجميع أن قلب روجيه ما زال فوق مع الحكيم والرفاق، يسأل عن الجميع، يخاف على الحكيم، يستفسر عما آلت إليه الأمور في تلك الدولة البائسة.
«ما في نهار احتجت روجيه إلا ولقيتو حدّي» يقول رفيق دربه وزميله جوني الزغبي. «كل يوم كنا نحكي بعضنا وخصوصا بالليل ونخبّر بعضنا كيف كان نهارنا. كنا نتجادل كثيرًا واحياناً تعلو أصواتنا على بعضنا ويظن الرفاق أننا خلص اختلفنا، ولا تمر خمس دقائق إلا ونكون نضحك ونمزح. روجيه كان خيي الكبير، واستشيرو بكل وثائقيّ أو فيديو، ويعطيني ملاحظات كتير مهمة وأنا آخد بملاحظاته تمامًا لأن بعرف مدى حرصه على صورة القوات» يقول الزغبي.
لم يكن أحب على قلب روجيه مناسبة أجمل من قداس الشهداء في أيلول، كان تاريخًا مقدسًا بالنسبة إليه، ولأجل ذاك اليوم كان يبدع في تحضير كاميرته وأرشيفه وصوره لتليق بالمناسبة الكبيرة، ويسهر حتى الصباح لإنجاز عمله. «كان إذا في شي لـ»القوات» بآخر الدني، يحكيني ونروح سوا، المهم عندو أن ننقل صورة القوات كأحسن ما يكون». ويضيف الزغبي: «عيد الميلاد كانت آخر لقاءاتي معه، جاء مع أخيه الى بيتي ولم يتمكن من الصعود بسبب وضعه الصحي، وأصرّ أن أذهب لأسهر معهم ليلة العيد. كانت آخر مرة بشوفو فيها روجيه، وكان تعبان، ومن بعدها رجع وراح ع المستشفى. ما يعزيني أن روجيه الذي تعذب كثيرًا في الأشهر الأخيرة وتألم، هلأ ارتاح بأحضان الرب».
منذ سنين وقلب روجيه يعذبه، ليس من فائق حبه لـ»القوات»، على العكس، فذاك الحب أغرقه بالفخر والعنفوان والإمتنان، إذ كان يعتبر أن أحلا ما فيه أنه مناضل عتيق في «القوات اللبنانية»، وأحلا ما عنده الحكيم والرفاق، «والقلب ملحوق عليه» قال لي مرّة. لكن القلب الملحوق عليه، لم يسعفه كفاية ولعمر مديد كانت لتليق به الحياة بعد، ربما لفرط ما أحبّ؟ دائمًا الحب منهك متعب وأحيانا مدمّر «حبي للقوات هو حياتي»، ومن ذاك الحب استمد روجيه قوته ليبقى في النضال والمقاومة. كانت كاميرته عين قلبه، وقلبه على الحكيم والقضية، صوّر وأنجز أجمل اللقطات والفيديوهات، التي تنقل وتترجم روح «القوات» ونضالها واستشهادها وتفانيها لأجل كرامة لبنان وسيادته.
«رفيقي روجيه، كنت دائمًا بيننا، صباحًا ظهرًا مساء، وكنت صورة جميلة وستبقى»، كتب له سمير جعجع في رحيله. كان صباحًا ظهرًا مساء في معراب، مع الحكيم، مع أنطوانيت والرفاق، كان ملتصقاً في المكان والمكان نقص حين غاب عنه.
«بكّرت يا صديقي… وداعًا»، كتب له بأسى بالغ المناضل بيار جبور، هو الذي عايشه يومًا يومًا في معراب وفي كل أمكنة النضال. «عشت عمرك واضح متل التلج» كتب له أحد أصدقائه على صفحته يوم رحيله… يوم رحيله؟ فلّ روجيه؟! هل يرحل أبطال مماثلون؟ نعم روجيه درغام بطل في مكانه وزمانه وكاميرته وانتمائه الشفاف الخالص لتوأم روحه القضية، «القوات»، سمير جعجع.
هل يرحل مناضلون مماثلون؟ يتركون المكان، هذه هي حكمة الحياة والرب، لكن يبقون في مكانهم أسيادًا في المحبة والإخلاص والحكاية البالغة الإنتماء. أطفأ روجيه كاميرته، بعدما أمر القلب والرب بأن يفعل، ذهب لينقل للرب شكوانا ممن صوّروا لبنان بأبشع صورة، وجعلوه دولة الرعاع والمحتلين، وفي المقابل سينقل للرب أنقى صورة عن مقاومين شرفاء شجعان، جعلوا لبنان في أبهى ألوان المقاومة حين حملوا السلاح للدفاع عنه، والآن يحملون الرسالة للنضال لبقائه، وصورة روجيه دائمًا نقية نظيفة رائعة حلوة مثل قضيته، مثل جبال لبنان، مثل «القوات اللبنانية»، نظيفة بيضاء كثلج الجبال، ومن فوق يلتقط روجيه أجمل لقطاته…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
