"أي مسيحيين نريد"؟
لن تكون تجربة وضع البيان الوزاري سوى فاتحة في مسار تصاعدي للتوتر المسيحي العام الذي يبدو انه بدأ يشكل الفارق النافر في سلوك القوى المسيحية المختلفة عن سلوك شركائها صانعا "خصوصية مسيحية" صرفة هذه المرة.
في المنحى الطائفي المتجرد عن كل الحسابات السياسية الاخرى، سيذهب المسيحيون في طبيعة الحال الى مزيد من الانكشاف والانقسام ما دام الواقع الآخر للمسلمين ممسوكا في الغالب بزعامات وكتل متراصة لا إمكان الآن ولا بعد الانتخابات النيابية على الارجح لتبديل تركيباتها.
اما في المنحى السياسي فربما يمكن ان تشكل الحمى المسيحية بما ستشعله من تنافس ومبارزات داخل الحكومة وخارج الحكم من الآن وحتى الانتخابات النيابية ما يوفر رافعة نظرية لحدود دنيا من ديموقراطية غير توافقية، اللهم اذا عرفت القوى المسيحية كيف توفق بين حاجتها الضاغطة الى التمسك بخصوصياتها ومتطلبات تحالفاتها مع الشركاء المسلمين.
وبذلك قد لا يضير المسيحيين ان يحتكروا قصب السباق الى الانتخابات وحصر المعارك الضارية والفاصلة في مناطق الثقل المسيحي شرط ان تذهب قواهم الى آخر المواجهة على قاعدة مبدئية صرفة لا هوادة فيها هي استفتاء المسيحيين على النظام السياسي ومشروع الدولة وليس على اي قاعدة ادنى مستوى من ذلك.
المفارقة الراهنة تبرز ان سائر الشركاء المسلمين يتصرفون بوحي هدأة مفاجئة املتها ظروف تسوية وازنت بين المستقوي بسلاحه والمستقوي بثقله، وكلاهما يحظيان بامتدادات اقليمية وعربية وازنة لم تتعرض لاهتزازات من النوع الذي يقلب ميزان القوى رأسا على عقب، اقله حتى اشعار آخر.
اما المسيحيون، وبصرف النظر عن تصنيفهم واصطفافهم هنا وهناك، فيظهرون سليقة بالغة التوتر تدفع بقواهم الى "التطوع" والتقدم الى صفوف المواجهة كرؤوس الحراب، وعلى نحو يناقض مرات كثيرة الاطار الذي رسمته تسوية الدوحة.
هذا البعد برز بقوة في معركة البيان الوزاري التي دارت في الغالب بين مسيحيي 14 آذار ومسيحيي تكتل العماد ميشال عون.
المسيحيون العونيون ذهبوا ابعد من السقف النظري على الاقل لـ"حزب الله" في مسألة سلاحه مع ربطهم مسألة المقاومة بالتوطين، واسباغ تفسيرات مغالية جدا في موضوع الاستراتيجية الدفاعية قبل طرحها على طاولة الحوار.
ومسيحيو 14 آذار كادوا ان يظهروا شركاءهم مقصرين او متراجعين في مسألة التحفظ عن فقرة المقاومة، رغم أحقية المبدأ الذي يملي عدم المزج بين الدولة واي شريك آخر لها مهما اكتسب من مشروعية. ولكن المفارقة المقابلة تمثلت في كون الشركاء المسلمين محفزين ضمنا لهذا الاندفاع الملتهب، باعتبار ان "المسيحي" يأخذ عبء الصراع السياسي على عاتقبه ولا يتسبب في تفتيق البعد المذهبي له. وربما يفيد المسيحيون ان يذهبوا في المواجهة الى النهاية وهذه المرة لمعرفة "اي مسيحيين نريد"، وعلى صورتهم "اي لبنان سيكون" بعد المعركة الفاصلة في الانتخابات.