
“ودايعنا متل الكهربا، ألف مشروع وألف تصريح والنتيجة عتمة”. هذه المشهدية جاءت على لسان كبير في السن والخبرة والنضال بعد سماعه خبر إقرار لجنة الإدارة والعدل قانون حماية أموال المودعين، الذي ولد من رحم اقتراحين في هذا المجال، الأول قدّمه نواب كتلة “حزب الله” والثاني قدّمه النائبان علي حسن خليل وناصر جابر.
اقتراحات ومشاريع قوانين عدة لحماية الودائع في المصارف خضعت للدراسة والتمحيص في المجلس النيابي، يختلف بعضها عن بعض في الشكل والتوصيف ووحدة الارقام أو المعلومات، لكنها جميعها تختلف مع الواقع الفعلي لمالية الدولة واحتياطاتها بالعملات الصعبة من جهة، وبين موجودات المصارف وسيولتها من جهة أخرى. بيد أن كل المشاريع المطروحة والمقدمة الى النواب لدرسها وإقرارها، تضع مسؤولية إعادة الودائع لأصحابها على 3 أفرقاء: الدولة ومصرف لبنان والمصارف. الدولة بما هي من حاضنة مفترضة لمشاكل مواطنيها، ولشراكتها الأساسية في هدر الودائع، والمصارف لمسؤوليتها القانونية والأخلاقية في الوفاء بالتزاماتها تجاه مودعين ائتمنوها على جنى أعمارهم، ومصرف لبنان بمسؤوليته عن تمويل الدولة بالعملة الصعبة ليس فقط من احتياطاته الخاصة كشخص معنوي، بل أيضاً من ودائع المودعين المودعة من المصارف لديه، من دون أي سقوف أو ضمانات لرد تلك المديونية. لكن في ظل فقدان القدرة عند المعنيين على توحيد الرؤى ووضع خطة استراتيجية بعيدة المدى يمكن معها السير بمشروع “مارشال” مالي ومصرفي، كيف يمكن حماية الودائع، ومن يضمن بقاءها أو عدم تذويبها أو تصفيرها إلى حدّ لا يعود هناك دافع للمطالبة بها؟
ناقش البرلمانيون القانون الأفضل المفترض به حماية ما بقي من ودائع في المصارف، وانتهى المطاف الحواري بينهم إلى الاتفاق على مسوّدة قانون ورفعه الى الهيئة العامة للمجلس النيابي لإقراره.
المادة الاولى من القانون تنص على “يُمنع على الحكومة عند إقرارها أو تنفيذ إجراءات أو خطط اقتصادية أو مالية أو نقدية، كما يمنع على مصرف لبنان والمصارف الخاصة اللبنانية والأجنبية العاملة في لبنان اتخاذ أي قرار أو إجراء من شأنه المساس بالودائع المصرفية سواء بالاقتطاع أو الشطب أو الإلغاء أو خفض القيمة من أموال المودعين بأي عملة كانت”. فهل يمكن ذلك؟ وهل يعني هذا أن القانون سيلغي مفاعيل تعاميم مصرف لبنان 151 و158 وغيرها من القرارات التي تيسّر للمودع الحصول على جزء وإن قليلاً من وديعته لسداد حاجاته وضرورات عيشه؟
في المادة الثانية يقول القانون المقترح: “إن حق المودع بوديعته كاملة وبالعملة التي أودعها مع الحقوق المترتبة عنها يبقى قائماً تحت أي ظرف”. ولكن ألا يتناقض ذلك مع مشروع الحكومة الإنقاذي الذي يجري التفاوض عليه مع صندوق النقد الدولي، الذي يتضمّن التزام الدولة بإعادة الودائع، ولكن بعد تحويل جزء منها الى الليرة؟
النائب جورج عقيص الذي كان من بين ثلاثة نواب أعادوا صياغة القانون أوضح لـ”النهار” أن مشروع قانون حماية أموال المودعين الذي أقرته لجنة الإدارة يشكل إطاراً لكل القوانين المالية والإصلاحية، خصوصاً أن ثمة اتجاهين في مقاربة الملف الاقتصادي برمّته. الاول يتعلق بشطب الودائع وتصفير الخسائر والقول للمودعين “عفا الله عما مضى”، بما يعني خسارة الناس لأموالهم، فيما كسب من هرّب أمواله الى الخارج. الاتجاه الثاني يشدد على تحريم المس بهذه الودائع (ليس بقيمتها، على اعتبار أن الجميع يعرف أنها ليست موجودة في المصارف)، ولكن على الأقل الاعتراف بأن هذه الودائع ليست خسائر بل ديون للمودعين بذمة المصارف أولاً، ومصرف لبنان ثانياً، والحكومة التي استولت على هذه الأموال وبدّدتها بسوء إدارة وفساد واضحين. وتالياً فإن قانون حماية الودائع يندرج في إطار المقاربة الثانية بمعنى أنه “اعتراف أو إعلان نوايا من الكتل النيابية أننا نحافظ على حق المودعين ونرفض شطب ودائعهم”.
الى ذلك، فإن مشروع القانون وفق عقيص هو “رسالة واضحة لحكومة تصريف الأعمال الحالية أو أي حكومة مقبلة، بأن كل المقاربات المالية وكل التشريعات التي ستُرسل الى المجلس النيابي للمناقشة يجب أن تكون منطلقة من فكرة أن الودائع لا يمكن شطبها، أو اعتبارها أنها لم تكن، وتالياً لا يحق للمودعين المطالبة بها لاحقاً”.
وفيما كان ثمة حديث داخل اللجان أن مثل هذا القانون يمكن أن يشكل تغطية للودائع غير المشروعة، أكد عقيص أن الغالبية النيابية توافقت على أنه “بما أن هذا القانون هو قانون عام وقانون إطار فإنه لا يلغي تطبيق القوانين الاخرى وتحديداً القانون 44/2015 الذي يتعلق بتبييض الاموال وكذلك قانون العقوبات إن كان ثمة جرائم مالية. كما أن الاتجاه أن تذكر هذه المسألة في الاسباب الموجبة للقانون، وربما سيكون متاحاً لكل النواب في الهيئة العامة إعادة إدراج نص واضح يقول إن هذا القانون لا ينطبق على الودائع غير المشروعة، وهو يحمي فقط الودائع المشروعة والاموال النظيفة، كما لا يشكل تغطية لهذه الاموال، حتى لا يمكن أن يفسر في يوم من الايام أنه أجرى تطهيراً للأموال غير المشروعة”.
ويؤيد عقيص أن يكون ثمة نص خاص يحدد هذه المسألة، على أن تقرر الاجهزة المعنية ومنها هيئة التحقيق الخاصة أو النيابة العامة المالية أو الهيئة العامة لمكافحة الفساد، كل في إطار اختصاصه القانوني، ما إن كانت الودائع مشروعة أو غير مشروعة.
ولكن الجميع يعرف أن الودائع لم تعد موجودة، فما الفائدة من هذا القانون؟ يجيب عقيص بالقول “هل المطوب منا كنواب نمثل هؤلاء الناس الاستسلام؟ وهل المطلوب منا القول إن الودائع طارت، ونحن كنواب نكرّس هذا الواقع بأي خطة حكومية لاحقة أو بتشريع إعادة هيكلة المصارف؟” ويضيف “المفروض منا أن نكرس حق الناس بأموالهم وودائعهم، وإن كان ليس بالقيمة المادية، فنحن بهذا المشروع نلزم الحكومة أنه في أي مقاربة لاحقة ستعتمدها، لا تعمد الى شطب الودائع. بمعنى آخر، من خلال قانون الإطار هذا، نكون قد سحبنا الترخيص سلفاً للحكومة باعتبار الودائع مشطوبة، علماً بأن هذا القانون يُفترض أن يقر توازياً مع قانون الكابيتال كونترول”.
فهل هذا يعني أن ثمة أملاً لاسترجاع الناس لودائعها؟ يبدو عقيص مقتنعاً بأنه “إذا أقررنا قانون إعادة هيكلة المصارف وأتحنا دمج المصارف وإعادة رسملتها، توازياً مع استقرار سياسي وإعادة لبنان الى الخريطة الدولية، إضافة الى الاتفاق على برنامج مع صندوق النقد على نحو يتيح لنا الحصول على مساعدات خارجية، حينها سيكون ثمة إمكانية لإعادة تكوين هذه الودائع. مع الأخذ في الاعتبار أنه من خلال الاقتراح الذي يدرس حالياً في مجلس النواب والمتعلق بالانتظام المالي هناك نص واضح يتعلق بصندوق إعادة تكوين الودائع، بما يعني أن الحكومة تسلم حكماً بإعادة تكوين الودائع”.
أما وقد أصبح مشروع القانون أمام الامانة العامة لمجلس النواب الذي يفترض أن تودعه لدى الهيئة العامة، وفي انتظار فك المقاطعة لاجتماعاتها، فيعوّل عقيص على انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة تعيد وضع خطة اقتصادية واقعية وتقر كل هذه التشريعات بجلسات تشريع تعقد من بعد إعادة الانتظام للمؤسسات.
من جهته اعتبر المتخصص في الرقابة القضائية على المصارف المركزية والاجهزة الرقابية التابعة لها المحامي الدكتور باسكال ضاهر أن إقرار قانون حماية الودائع في لجنة الإدارة والعدل في هذا التوقيت الذي تمر به البلاد، أمر إيجابي، ويضع القوى السياسية أمام امتحان تنفيذ وعودها الهلامية للمودعين بحماية ودائعهم، بأن تقر القانون في الهيئة العامة لمجلس النواب، خصوصاً أن الإقرار النهائي للقانون يحمل في طياته عدداً من الإيجابيات. أولى هذه الايجابيات أنه يرفع الثقة الائتمانية في لبنان وهذا عامل مهم جداً يرمي الى تهدئة النفوس بما من شأنه تسهيل إعادة الأموال الى البلد. فإقرار هذا القانون يعني أن الدولة تقول للجميع في الداخل والخارج بأنها ستتحمل المسؤولية عن ارتكاباتها بدلاً من رميها يميناً ويساراً من دون طائل”.
النقطة الايجابية الثانية تكمن برأي ضاهر في أن إقرار القانون “سيزرع الامان في ذهن المودعين بأن ودائعهم محمية مجدداً بموجب قانون حديث أصدرته الدولة، بما سيؤدي حكماً إلى تهدئة القطاع المصرفي الذي سيتمكن حينها من التقاط نفسه وولوج باب تفعيل قانون الدمج. وفي الوقت عينه سيكون له أثر مباشر على تخفيف الضغط عن الاقتصاد اللبناني إذا أتبع بعدد من الإجراءات اللازمة والضرورية التي من شأنها وقف مهزلة تعدّد أسعار الصرف ووقف التضخم”.