يغادر زائر القاهرة بانطباع أساسي أنّ مصر تعيش تحت الضوء البرتقالي : لا هي استقرّت على ما بعد الثورة، ولا هي خرجت ممّا قبل الثورة. إنها في لحظة مخاض صعب، لكن الخروج إلى ما بعده ليس مستحيلا.
فالنظام المصري ما بعد الملكية لم يكن سوى حكم العسكر بصورة أو بأخرى. وإذا كان التاريخ سَجّل للرئيس جمال عبد الناصر أنه خيّر الضباط بين أن يتعاطوا السياسة ويتخلوا عن مهنة العسكر، وبين أن يبقوا في الجيش ويجتنبوا السياسة، فإنّ الوقائع تخبر أنهم كانوا في عهده، وبعده، وفور استقالاتهم، أو تقاعدهم، يتبوّأون أعلى المناصب، إلى أن باتت حكرا عليهم، في العهود اللاحقة، حتى وَهم في أعمالهم العسكرية.
لم يخرج عن هذه السطوة المكتسبة ما يردده المصريون العارفون عن "مكاسب" للكتلة العسكرية من صفقات التسلّح.
وفي تقدير العارفين، أنّ ما لا يقلّ عن 35 في المئة من القدرة الاقتصادية المصرية هي في يد المؤسسة العسكرية ومن يتحدّر منها. من هنا، لا تبدو مصادفة أن يحرص المجلس العسكري على حفظ دور مرجعي له في ما بعد قيام النظام الجديد، خصوصا أنه يبدو اليوم في موقع مدير المرحلة المعلقة.
ما يريده المجلس العسكري أقرب إلى ما كان عليه دور الجيش التركي بعد غياب كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية على أنقاض السلطنة العثمانية عام 1924.
وما تريده الاتجاهات السياسية في البلاد، هو دور للعسكر، والمجلس العسكري تحديدا، كدور الجيش التركي في ظلّ حكومة رجب طيب أردوغان، أي أنّ قراره عائد إلى السلطة السياسية، وفق ما يرسمه الدستور، وليس فوق الدستور الذي هو قيد الوضع.
لذا، كان لافتا في الوضوح، الأسبوع الماضي، مسارعة الأحزاب والتيارات السياسية إلى عقد اجتماعات، فرادى وجماعات، انتهت، من على منابر مختلفة، إلى رفض إدخال تعديلات على "وثيقة المبادىء الدستورية" بما يعطي المجلس العسكري وصاية على وضع الدستور الجديد، من جهة، وموقعا أعلى من هذا الدستور، وفي النص، من جهة أخرى. فلقد طالب الجميع الحكومة بسحب الصياغة المعدلة للوثيقة والمتهمة بمحاولة "استثمار الخوف من الإسلاميين ومن تكرار استبداد الدولة الدينية في دول أخرى لكي تمنح المؤسسة العسكرية (المجلس العسكري) امتيازات استثنائية تجعلها فوق السلطات الدستورية وتمنحها تفويضا بحماية الدولة المدنية، والشرعية الدستورية، وضمنيا الحريات العامة وحقوق الإنسان".
تبرز اليقظة من العسكرة المستترة في النقاشات كلها، تحديدا مع المثقفين وأهل البحث والإعلام، ولا يبرىء هؤلاء المجلس العسكري من محاولة "ترميم" النظام السابق، ويصفون التعديلات التي اقترحها نائب رئيس مجلس الوزراء علي السلمي بأنها مشروع انقلاب عسكري، ويستشهدون على سعي المؤسسة العسكرية إلى ذلك، بمعاندتها مدة شهرين قرار الشعب بإحالة الرئيس المخلوع حسني مبارك على المحاكمة، وهو الذي أقام في شرم الشيخ تلك المدة مع كل الطقوس اللائقة برئيس قيد السلطة.
تسمح النقاشات المديدة والمتعددة الأطراف، والحوارات في الشارع، باستنتاج أنّ المصريين عموما لا يتوهمون أن التغيير وقع، بل على العكس، هم في لحظة استنفار مقيم، أو على ما وصف أحدهم الأمر بأن الشعب في "نوبة صاحي"، وهي مهمّة العسكري المناوب ليلا توقعا لهجوم، والذي يحرم عليه النوم حتى يحلّ بديله.
وماذا عن "المخاوف" من التيارات الاسلامية؟
يعتب محدثي على التضخيم الذي يمارسه بعض اللبنانيين في الحديث في هذا الموضوع، ويصرّ على التمييز بين المسلمين أصحاب التوجهات السياسية، وهي تمتدّ من اليمين إلى اليسار، ومن الليبراليين إلى المحافظين، وبين الإسلاميين الداعين إلى قيام حكم إسلامي، مشيرا إلى أن هؤلاء المتحدثين يتجاهلون أن الإخوان مع سيّد قطب في منتصف القرن الفائت ليسوا من هم اليوم في العملية السياسية، وأنّ المصريين، عموما، يؤيدون بقاء الفقيه الديني في مسجده الجامع، كما يريدون من العسكر أن يبقوا في ثكناتهم، إلّا إذا دعتهم الملمّات الوطنية للأولين، والسلطة السياسية للآخرين.
ويضيفون أنهم واعون إلى أن إقامة نظام مصر الجديد لن يكون نموذجيا فور وضع الدستور وإجراء الانتخابات، وإذا كان التحوّل الديموقراطي مفترقا تاريخيا في حياتها، وعلى أساس الدستور، فإنّ ذلك لا يعني التسليم بأن من سيَصل إلى السلطة في ظلّه سيكون الأفضل منذ اليوم الأول "فالديموقراطية مراس ومران، وقد يسيء الرأي العام بعض الاختيارات في المرة الأولى، لكنه سيحسّن في الثانية، وسيحسّن أكثر لاحقا… المهم اختيار الدستور الأفضل الذي يعكس آمال المصريين".