
من راقب ويراقب وواكب وقرأ عن بعد وعن قرب بطريقة متأنية ما سبق ولحق 7 أيار من العام 2005 تاريخ عودة ميشال عون الى لبنان، وما أسماه العونيون المتأملون يومها “عودة الوطن الى الوطن”، ومن تأنّى وقرأ واستدل واستقرأ وحلل ما سبق وما لحق بـ7 أيار من العام 2008، أمكنه الاستنتاج بوضوح وبفعل علم المنطق والوقائع والاعترافات والاقرارات، أن هناك ربط وترابط لا بل علاقة سببية بين الـ7 أيارَين وما سبقهما ولحقهما من تحضيرات والتزامات وأوراق متبادلة وتفاهمات وترضيات جعلت من عودة “الأب الضال” لأحضان خط “مستعيديه”، “طعنةَ” لآمال مستقبليه ومؤيديه ولو متأخرين بعد فوات الآوان.
توهّم من اعتقد بأن تحضيرات عودة ميشال عون من قبل سلطة الوصاية والاحتلال بدأت في 2004 أو 2005، إذ ان أواصر العلاقة السورية ـ العونيّة لم تنقطع يوماً على ما يصرّح ويكشف مسؤولو الطرفَين وذلك منذ تبوء ميشال عون قيادة الجيش، مروراً بترؤسه الحكومة الانتقالية وصولاً الى فيلا كابي والهوت ميزون في فرنسا، وعودته “الميمونة” في 7 أيار 2005 الى لبنان. وللدلالة على ما نقول نكتفي بما كتبه الصحافي الشهيد جبران تويني في 30 آب من العام 2001 تحت عنوان “طعنة جنرال”:
“لم تعد تعيش الواقع بعدما توقفت عقارب ساعتك في العام 1989 ولن اقول 1990، أو آخرها عند طلب موعد مع اللواء الركن غازي كنعان وعلى غير علم الذين كانوا حواليك، او ساعة توقيعك اتفاقات مع السفير الفرنسي حول الطائف وأيضاً من دون علم الذين كانوا حواليك! من دون أن نذكر المفاوضات السرية التي كنت تجريها مع “دولة الطائف” من أجل العودة الى لبنان”.
ويشرح كريم بقرادوني في كتابه “صدمة وصمود”، صفقة عودة عون الى الوطن عبر من أسقطه في العام 1990 وفي متن الورقة التي قدمها لعون ووافق عليها: “يسهر رئيس الجمهورية بالتفاهم مع دمشق على إقفال كل الملفات والدعاوى القضائية المقامة ضد الجنرال عون ورفيقيه عصام أبو جمرة والجنرال إدغار معلوف، وتسديد التعويضات المستحقة لهم، وتسوية سلاح “الحزب” بالحوار معه ومن دون اللجوء إلى استخدام القوة، والتأكيد على ضرورة تحسين العلاقات اللبنانية ـ السورية المميزة”.
ويشرح كريم بقرادوني تفاصيل اللقاءات لصحيفة المستقبل في مقال للصحافية كارلا خطار، بتاريخ 24 تشرين الاول من العام 2011: “سلمت نص المبادرة إلى ابن الرئيس لحود، الذي حملها إلى دمشق… وقد أبلغه الرئيس بشار موافقته على المبادرة “شرط أن يكون الحزب شريكاً في العملية، وأن تحصل بإشراف مباشر من الرئيس لحود”.
“في 8 نيسان 2005، نقل لحود الابن تحيات والده إلى عون. يروي بقرادوني، “دخلنا على عون في الوقت المحدد. بادره إميل إميل لحود بالقول، “بيسلّم عليك الوالد”. هزّ عون رأسه ولم يقل شيئاً (..) شرح لحود الإبن لعون تفاصيل المبادرة والخطوات التي تمت تسهيلاً لعودته، ونقل اليه حرص والده على أمنه وسلامته، واقترح عليه أن يختار مجموعة من الضباط والجنود الذين يرتاح لفصلهم على سبيل الحماية”.
إذن على ما سبق فان التحالفات والاتفاقات والتعهدات التي حيكت في باريس سبقت “الحلف الرباعي في دائرة بعبدا عاليه” وترجمت في تعويض العونيين عن تلك الدائرة بآلاف الأصوات الشيعية في زحلة وجبيل والمتن وكسروان وفي لعب ميشال عون دور “الضحية المسيحي” لاستنهاض الشارع وسرقة الأصوات “المحبطة” واصوات حلفائه “اللدودّين” من مرشحّي سلطة النظام الأمني السوري اللبناني على لوائحه في بقية الدوائر، كما وتوّجت بورقة التفاهم مع “الحزب” التي وصلت الى حد الإندماج على ما صرّح به ميشال عون في 29 كانون الثاني من العام 2016 اذ قال، “انا والسيد واحد وهناك تكامل وجودي بيننا”، وليصدُق الصحافي الشهيد سمير قصير بعنوان مقالته في صحيفة النهار “عودة الأب الضال”، عشيّة عودة ميشال عون في 6 أيار من العام 2005 وبما قاله، “عون الراجع هو عون الذي لا يتغيّر، يحاكِم ولا يحاكَم”.
وهنا يحاكي الأب الضال في مقالة قصير، الإبن الضال في الكتاب المقدّس الذي عاد تائباً الى أحضان والده و”كان ضالّا فوجد” و”الأب الضال” – بحسب تسمية قصيرـ وانطلاقاً من الأوراق والوثائق والتفاهمات، عاد تائباً الى أحضان مسقطيه وأعداء ثورة الأرز، واتى ليحاكِم قوى 14 آذار ويوالي قوى 8 آذار، وهنا “الأب” لا يزال ضالّاً عن الخط السيادي الذي لطالما ادّعاه.
انسحب “التكامل الوجودي بين عون ونصرالله” انسجاماً وانصياعاً وغطاءً، لكل ما قام ويقوم به محور الممانعة ورأسه في لبنان الحزب من حرب تموز من العام 2006، الى الاعتصامات واقفال الطرقات، ابتداء من 23 كانون الثاني 2007 وصولا الى 7 أيار 2008 الذي وضع القطار على السكّة الصحيحة على ما اعتبر يومها ميشال عون، والذي كان يوماً مجيداً من أيام المقاومة على ما قاله نصرالله في الذكرى السنوية الأول لذاك اليوم… ليُستثمر 7 أيار 2008 في اتفاق الدوحة والذي أعطى الثلث المعطّل لمحور سوريا ـ ايران واستثمر في ليّ أذرع بعض السياديّين، إذ قال وليد جنبلاط عن انعطافته يومها في 28 أيلول 2011، “ماذا أفعل إذا كان المسدّس مصوباً الى رأسي”.
وطبعا 7 أيار 2008 لم يأت فجأة ولا بفعل قرارات مجلس الوزراء في 5 أيار، بل بسبق تخطيط وتحضير وتغطية وغطاء، فكلام عون يومها عن “وضع القطار على السكّة الصحيحة” واعتبار نصرالله في الذكرى السنوية الأولى لـ7 ايار 2008 انه يوم مجيد من أيام المقاومة، هو استثمار الدم بالسياسة.
الإ أن خير من “فضح” الغاية السياسية في استعمال الوسيلة العنفية في 7 أيار، تصريح سليمان فرنجية للمؤسسة اللبنانية للإرسال في تاريخ 17 كانون الأول 2015 إذ قال ما حرفيته، “الدوحة تطلّبت 7 أيار وليس العكس، وعندما أخذ القرار في الدوحة كانت تحتاج لشيء “يدّورُها” تطلّبت 7 أيار”…
ونختم مع الكتاب المقدّس انجيل لوقا 8: 17
“لأَنَّهُ لَيْسَ خَفِيٌّ لاَ يُظْهَرُ، وَلاَ مَكْتُومٌ لاَ يُعْلَمُ وَيُعْلَنُ”.
.jpg)