#dfp #adsense

بين البطريرك و”الحكيم”… قضية ووطن واحد

حجم الخط

غريبة كانت العلاقة بين البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ورئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، فالشخصان لم يختلفا على أي استحقاق إلا انهما احتاجا إلى وقت طويل لتعزيز أواصر الثقة بينهما. منذ الاتفاق الثلاثي إلى الانتخابات البطريركية إلى رفض المرشّح الواحد لرئاسة الجمهورية، إلى اعتبار حرب التحرير كارثة على المسيحيين، كان تشخيصهما للمشكلة المطروحة واحداً وقراراتهما متطابقين، إلى درجة ظنّ الرأي العام بأن العلاقة بينهما ممتازة دائماً، لكن في الحقيقة، العلاقة التي ربطت البطريرك صفير برئيس “القوات” لم تبدأ كما انتهت!

شهدت العلاقة تطوراً مع التقائهما على رفض الفراغ الدستوري في الانتخابات الرئاسية في العام 1988، واعتبراه أمراً خطيراً على مستقبل البلاد. أما نقطة التحوّل الأساسية فكانت بعد معركة مقاطعة الانتخابات النيابية، خصوصاً في السنة التي سبقت اعتقال جعجع، الذي وبعد أن شارك وأمين العلاقات العامة في “القوات” ايلي ابي طايع، في رتبة دفن المصلوب في الجمعة العظيمة من العام 1993 وتناولا الغداء إلى المائدة البطريركية، خرج جعجع يومها بانطباع أسرّ به لأبي طايع أثناء مغادرتهما بكركي، “مش هيّن هذا الرجل، إنه ممتاز ورصين، وهناك نقاط يتجاوزنا فيها لجهة التمسّك بالثوابت”.

البطريرك صفير و”الحكيم”، رجلان لا يفترقان في النضال والمقاومة، والقضية الواحدة: حرية لبنان وسيادته. اتهم البعض البطريرك صفير بالوقوف إلى جانب “القوات” في حرب الالغاء، واتُّهم مع جعجع أنهما تنازلا عن حقوق المسيحيين عندما وافقا على اتفاق الطائف، من ضمن تسويق أفكار لا علاقة لها بالواقع، وكانا ثابتان في مواقفهما ضد سلاح “حزب الله”.

قد يتساءلون عن سرّ تعاطف البطريرك صفير مع “القوات” عموماً و”الحكيم” خصوصاً، إلا أن سيد بكركي كان يعرف أن “القوات” مقاومة، على الرغم من بعض الأخطاء التي حصلت في مسرتها الطويلة والمشرّفة، وكان واثقاً بأنها لم تضيّع البوصلة ولم تحد عن الثوابت، ولم تبدّل جلدها، وبقيت همومها هي ذاتها منذ انطلاقتها وحتى اليوم، حرية لبنان وسيادته واستقلاله وقراره الحر، وقيام الدولة القوية، واستمرار الوجود المسيحي الحر في لبنان والشرق، وفي هذه المسيرة سقط آلاف الشهداء.

بعد اعتقال “الحكيم” في العام 1994 وحلّ “القوات”، أصبح البطريرك صفير أباً وراعياً شبه وحيد لشباب “القوات”، وكان المتنفّس الوحيد لهم! فكان من أبرز المطالبين بالإفراج عن جعجع واعتبر “ان الحكيم كان يجاهر برأيه وكان على رأس مجموعة كبيرة لا تحبّ سوريا ولا يريدون أن تسيطر على البلد، وكان موقفه واضحاً”. وعندما استقال صفير، حرص جعجع على توجيه “تحية كبيرة إلى بطريركنا الدائم”.

25 أيلول من العام 2011 كان موعداً مميزاً، إذ شارك البطريرك صفير في قداس شهداء المقاومة اللبنانية. تصفيق حار غير منقطع من قبل الجمهور القواتي، وترحيب حار بالبطريرك الاستثنائي الذي اغرورقت عيناه بالدموع متأثراً بمحبة الناس… وقد شوهد “الحكيم” وهو يتمالك نفسه لعدم البكاء، فكانت لحظة تاريخية!

تكوين سمير جعجع الفكري والثقافي والروحي والوطني والاستراتيجي لا يختلف عن تكوين البطريرك صفير، لذلك تبنّى جعجع المبادئ المسيحية والوطنية التي تضمنتها رسالة سيد بكركي بمناسبة السنة اليوبيلية لمار مارون وصوم 2010 بعنوان “مار مارون… المارونية… ولبنان”.

بقي البطريرك صفير حتى آخر مقابلاته الصحافية يردد، “سمير جعجع عنده مسؤولية وطنية أخذها على عاتقه. على الرغم من كل الصعوبات، يجمع الشباب وينفخ فيهم روح الحرية التي ساهمت في تحرير البلد”.

في ذكرى رحيل البطريرك صفير، نقول، “كان رجلاً عظيماً مضى إلى رحاب التاريخ، حيث مكانته ومكانه الحقيقي”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل