#adsense

خمول «الهدنة» اللبنانية

حجم الخط

خمول «الهدنة» اللبنانية

حين يصنّف ديبلوماسي عربي معظم نماذج الأنظمة السياسية في المنطقة في خانة الدولة «الضائعة» بين «الليبرالية الجاهلة التي تهتم برؤوس الأموال وحرياتها لا حريات البشر»، وبين الأصولية المتطرفة المتعصبة، يصف لبنان بأنه الوطن الحائر أمام غده المجهول… أزلياً.

وحين يُسأل بعض العارفين بخبايا السياسة في لبنان، عن حال الانفراج في البلد ما بعد تشكيل «حكومة الإرادة الوطنية الجامعة»، وحسم البيان الوزاري ومعضلاته «اللغوية»، في ظل صيف هادئ وواعد، لا يترددون في الحديث عن «خمول هدنة» لبنانية، وسط تقلبات إقليمية، مصيرها مجهول ايضاً.

وإذا كان الأبرز بين عناوينها مآل المفاوضات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة، والمهل الغربية الممددة لإيران في إطار الصراع على برنامجها النووي وطموحاتها الإقليمية، وأسهم الخيار العسكري في بورصة الصراع، فالحال ان إصرار وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك على نسف مفاعيل القرار 1701، وتجديد الحملة عليه بوصفه فاشلاً، يثير اكثر من علامة استفهام حول مقاصد الوزير، واحتمالات التهيئة لإعادة ربط ساحة الجنوب اللبناني بسيناريوات ضربة إسرائيلية لإيران.

ومثل حال الضربة التي لا يمكن احداً في المنطقة تشييع احتمالاتها الآن، لمجرد ان إسرائيل على عتبة تغييرات داخلية، يتعذر التكهن بما اذا كان رحيل ايهود اولمرت سيعيد المسار السوري – الإسرائيلي الى نقطة الصفر. في الحالين، لبنان معني دائماً بالثمن، ولو كانت النهايات سلمية سعيدة.

لدى العارفين، لا يعني هذا الثمن في فترة «خمول الهدنة»، سوى ان المحطات الكبرى في المسار الداخلي، كطاولة الحوار والانتخابات النيابية في ربيع 2009، مرتبطة حتماً بالملفات الإقليمية. والوجه الآخر لهذه الرؤية «التشاؤمية» لا يحاسب فريق 14 آذار بمقدار ما يعتبر ان ما ناضل من أجله هذا الفريق، اي إنهاء دور لبنان – الساحة، انتهى الى لا شيء.

وبين النقد الذاتي والمراجعة «الجريئة» التي يجريها «تيار المستقبل» بعد صدمة أيار (مايو) في بيروت والجبل، يصرّ المتشائمون «بواقعية» على ان طاولة الحوار التي ستجمع الأقطاب ستراوح مكانها إذا بدأ، بانتظار حسم الصراعات الإقليمية (إيران وأميركا، سورية وإسرائيل)، وأن الأمر ذاته ينطبق على الانتخابات النيابية، إذ لا ضمان بإجرائها.

إذاً، لا ضمان للاقتراع، على رغم ان فريق 14 آذار لم يعد يعتبر سلاح «حزب الله» عقبة تحول دون إجراء الانتخابات، ولا ضمان ليمضي الحوار الوطني برعاية الرئيس ميشال سليمان الى نهاياته، بما فيه مسألة الاستراتيجية الدفاعية التي ستظلل الشراكة بين «الشعب والجيش والمقاومة»… ولا ضمان ايضاً بعدم انفجار «اللغم» الأمني مجدداً (طرابلس نموذجاً)، ولا ضمان بتسوية هادئة لملف التعيينات.

إنه المسار ذاته الى الغد المجهول، تحت سقف تمرير الوقت، الى ان تحين ساعة الحلول في الملفات الإقليمية. وهكذا تبدو قوى 14 آذار مطالبة في سياق النقد الذاتي والمراجعة «الجريئة» لنهجها، بالبحث عما حققه طالما بات واضحاً ان لبنان لم يغادر دور الساحة، والانتظار، اي إما الارتباط بقرارات من الخارج، وإما التريث لمواجهة مصيره ودفع الأثمان، لتسهيل صفقات إقليمية أو تسديد فواتير المواجهات.

بعض المتشائمين يعتبر ان فرقاء 14 آذار «أنتجتهم صدمة أيار (مايو) مجدداً»، من دون أن يطاول ذلك، الحديث عن النقد الذاتي لدى زعيم «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط الذي توقف عند نسيان فلسطين والعروبة في أدبيات قوى «انتفاضة الاستقلال». وسواء عوتب جنبلاط من بعض حلفائه ام لم يُعاتَب، يصر المتشائمون على ان الصدمة في بيروت والجبل التي يسميها «تيار المستقبل» هجمة، وأطلق عليها بعض المعارضة سابقاً حملة «تأديب» نظيفة، أعادت الاعتبار الى دور سورية في لبنان. ألذلك يستعجل الرئيس نيكولا ساركوزي زيارة دمشق، ام لأنه مقتنع بجدوى رهانه على شق التحالف السوري – الإيراني؟

هي فترة خمول بامتياز، في صيف «الهدنة» اللبنانية التي تخفي كثيراً من الهمس حول النادمين عن مقدمات «الصدمة»، والمحبطين من إعادة ربط الوطن الحائر بحزام الأزمات في المنطقة… والخائفين على مصير الانتخابات، والمتسائلين عن مصير النظام إذا كسبتها قوى 8 آذار.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل