#adsense

المحكمة والربيع..

حجم الخط

التأمت المحكمة الدولية إذاً، وباشرت أعمالها المنتظرة، وستستكمل مهامها كما هو مقرر لها. ولم "تظبط" مع من حَكَمَ وحَسَمَ وَجَزَم منذ سنوات وشهور بأن ذلك لن يتم ولا حتى في الأحلام!
لكن توقيت الانعقاد والالتئام وتخييب آمال الخائبين، يبدو راهناً بأهمية فحوى بدء النظر في محاكمة المتهمين بجريمة 14 شباط 2005. حيث إن انطلاق قافلة تعقّب ممتهني الإجرام السياسي، ومعتمدي الارهاب كوسيلة فضلى لإزاحة الأخصام والمناوئين والمعارضين، يبدو متمماً لصولات الربيع العربي الآخذ على عاتقه تصحيح (أو إلغاء) "مفاهيم" راسخة أولها وأساسها اعتماد النار والحديد والارهاب للقبض على السلطة والبقاء فيها.

كأن المحكمة صورة مصغّرة عن حال ربيع العرب. هواؤه يصول في قاعاتها كما يصول في أرجاء دول القهر والاستبداد ونفي الحياة، ليؤكد ان العدالة مُعطى ينسحب على الافراد كما ينسحب على الجماعات. وحيث التوصيف واحد للارهاب والعسف والعنت، أكان ذلك يتعلق بسياسي معارض، أم بشعب قرر انه لن يستكين بعد الآن لسطوة جلاّد. ولن يؤجر أحلامه ويبيع أمانيه لديكتاتور أرعن. كما لن يرضخ لمن صَال وجَال في حرمانه من الاساسيات الأولى لكل إنسان: الحرية والكرامة، والحق التلقائي في التعلّم والعمل والتنفس والتعبير عن الرأي..الحق في العيش في ظل سلطة القانون وليس في ظل هوى الحاكم وحزبه وميليشياته وشبيحته ومافياته.

طال الزمان، قبل الوصول الى المحطات الراهنة، حتى كاد الظن الغالب أن المفردات المتفرعة من معطيات الحرية والعدالة لا تعني في دنيانا ما تعنيه في أي مكان آخر تحت الشمس. أو كأن شعوب العرب غير جديرة أو مؤهلة أو مستعدة لمواكبة العصر ولغته وثقافته وتقنياته. أو كأنها في الأساس اعتادت على الاتكالية والاستقالة من مواجهة تحديات التنمية والعلم والإبداع في كل شأن آخر غير علم الكلام والأحلام والإيغال في التاريخ حتى استطابة الإقامة فيه؟!

أهمية انطلاقة محكمة لبنان أبعد بكثير من كونها تردّ على تحدي الكشف التام عن مدبّري ومخطّطي ومنفذي جريمة 14 شباط، كما وضع مبدأ إنهاء سياسة الإفلات من العقاب موضع التطبيق العملي.. أهميتها الأساسية انها قالت وتقول انها في صدد تحدي ثقافة متكاملة قامت على أساسها أنظمة وسلطات، وأحكمت بموجبها قبضتها على شعوبها وثرواتها، فدمّرت عصب الأولى بالاستبداد والقوة العارية، وسرقت ونهبت وبدّدت الثانية من خلال ممارسات مستقاة من تراث المافيات وأساليبها وطرقها وإجرامها.

ضاعت بالأمس، "جهود" جبّارة بُذلت على كل المستويات لتدمير العدالة ومنعها من التنفس.. تماماً كما تضيع في هذه الأيام جهود جبّارة بذلت على كل المستويات ومنذ سنوات وسنوات لدفن حق الإنسان العربي بحريته وكرامته وأرضه وسلطته وعمله وعلمه وتربيته.. ربيع واحد لأن العدالة واحدة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل