#adsense

ثالوث اللغة والتاريخ والروحانيّة في الكِيانيّة اللبنانيّة

حجم الخط

الأسس الكِيانيّة الصلبة هي التي تبني مجتمعات صلبة قادرة على العيش معًا، مدى الأزمان والآباد، مع حرّيّة الاختلاف بشرط عدم الخلاف. وهذه حال مجتمعنا اللبناني الذي خضع لعمليّة تغييرٍ كِيانيٍّ عبر التاريخ. لكن أهميّة التيار اللبنانوي الكِياني تكمن في الحفاظ على ما تبقى من هذه الروح الكِيانيّة. وما يجب تثبيته هو تأطير الأسس الجديدة للكِيانيّة اللبنانيّة المُستمَدَّة من الجذور المجتمعيّة للشعب اللبناني.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الفتح العربي الاسلامي قد نجح بتغيير الهويّة الثقافيّة للشعب اللبناني الذي نتيجة للتخالط الجيوسوسيولوجي مع الجماعات العربيّة التي استوطنت الساحل اللبناني؛ نجح بفرض لغته العربيّة على المجموعة السريانيّة التي تحمل بعدًا تازيخيًّا أعمق بكثير من البعد العربي.

ولكن ما استطاعت هذه المجموعة المجتمعيّة الحفاظ عليه هو حرّيّة ممارستها شعائرها الدينيّة نتيجة لنهج مقاوماتي مارسته طوال اكثر  من ألف وأربع مئة سنة من النّضال والعيش في الوديان والمناسك والقلاع والدّساكر لتحافظ على هذه الحرّيّة. وهذا ما دفع إلى عمليّة تغيير جذري للغة المحكيّة في  هذه المنطقة، أي السريانيّة، حتّى تمّ استبدالها كلّيًّا باللغة العربيّة كلغة رسمية وأصبحت لغة الكيان الرّسمي الذي ضمّ هذه الجماعة يوم إعلانه في الأوّل من أيلول في العام 1920، وتكرّس ذلك في دستور العام 1943، مع إعلان الاستقلال؛ لأنّ الفترة التي امتدّت بين العام 1920 وعام 1943 كانت لا زالت تسيطر فكرة مسيحيّة دولة لبنان الكبير. وفي العام 1946، ردًّا على إعلان الاستقلال، يصرّح البطريرك أنطون عريضة بأنّ اللغة الرسميّة للبنان وجب أن تكون السريانيّة وليس العربيّة؛ بحسب ما ورد في إهداء كتاب ” الارتقاء الجديد في قراءة السريانيّة” للكاهن روفائيل برأرملثا الذي وجّهه في 26 حزيران 1946 للبطريرك مار أنطونيوس بطرس عريضة حيث قال فيه حرفيًّا:” يا ليت كلّ سكّان لبنان يتشبّهون بآبائهم المباركين ويعودون ويدرسون لغتهم الأصليّة ويتكلّمون بها كالأمس وقبل الأمس. ويعلّمونها ليس فقط في الأديار والمدارس، بل أيضًا في كلّ المنازل في كلّ ولاية لبنان.  حصن المسيحيّين المنيع.”

لكن التمايُز الذي استطاع خلقه اللبنانيّون هو بكون اللهجة التي يتحدّثون بها العربيّة المحكيّة هي مرتبطة جذريًّا بلغتهم السريانيّة. ولعلّ هذا ما جعل منها لغةً مستقلّةً بحدّ ذاتها، نتجت عن مزيج بين السريانيّة والعربيّة. وهذا ما دفع المفكّر سعيد عقل بتأطير أسس جديدة لهذه اللغة عبر استخدامه الأبجديّة اللاتينيّة. ولأسباب سياسيّة عروبيّة قوميّة وقتذاك تمّ هدر دمه هو وأمثاله من الذين حاولوا وضع أسس الفلسفة اللبنانيّة. حتّى تتوّجت شهادة هذا التّيّار اللبنانوي بقتل رائده البرفسور كمال يوسف  الحاج بينما كان يعبر في منطقة حرجية بين بلدتي قبّيع والكحلونيّة بالقرب من مسقط رأسه في بلدة الشبانيّة في الثاني من نيسان في  العام 1976 بعدما تمّ اختطافه من قلب بلدته، من قبل أربعة مسلّحين غير ملثّمين، حتّى فجّ رأسه بفرّاعة آثمة في وضح ذلك النّهار.

هذا من حيث  معضلة اللغة التي ما زال حتّى الآن المسلمون اللبنانيّون يعتبرونها لغتهم الأم، فيما لا يعتبرها كذلك المسيحيّون اللبنانيّون الذين  حتّى الساعة يعترفون بانتمائهم إلى الهويّة العربيّة، لكنّ التيّارات المسيحيّة السياسيّة الحرّة ما زالت حتّى الساعة تعتبر أنّها تنتمي إلى هويّة سريانيّة حضاريّة، مع اعترافها بالهويّة العربيّة الثقافيّة انسجامًا مع قناعتها بالهويّة الكِيانيّة اللبنانيّة. ولأنّ اللغة والتاريخ توأمان لا ينفصلان نجح هذا الخطّ العروبي بتشذيب التّاريخ السرياني في  المنطقة حتّى الوصول في بعض الأحيان إلى تغييره.

وحقيقة تغيير التّاريخ تكمن في طمس حقيقة شعب بكامله. لذلك، تحوّل الشعب السرياني في منطقة شرق  المتوسّط إلى مجموعة شعوب لم تستطع أن تحافظ على هذه الهويّة الحضاريّة.

من هنا، أهميّة اللبنانويّة أنّها استطاعت أن تحافظ على جذورها السريانيّة من دون أن تذوب في هويّة عروبيّة. مع تأكيدها على أنّها ليست قوميّة بحدّ ذاتها، بل هي أبعد من ذلك  بكثير. لأنّه تحوّلت إلى نهج حياة. وللحفاظ على هذه الأسس، ولمنعها من التبدّل أو الذوبان في هذا البحر الحضاري  الواسع، يجب الحفاظ على ما تبقى من روحانيّة مستمَدَّةٍ من تاريخ وجوديّة هذا الشعب في  هذه الأرض عبر السنين.

لذلك، أوجدنا الكيانيّة اللبنانيّة التي تحمل بأبعادها الفلسفيّة التي قمنا بتأطيرها أبعادًا أوسع من القوميّة التي قد تنحسر في دين أو مذهب ما، أو حتّى في مجرّد نظام سياسي أو صيغة سياسيّة قد تجرّدها من بعدها الإنسانويّ. فبالكيانيّة اللبنانيّة نتجاوز الانتماء القومي الذي لا يجمع اللبنانيّين كلّهم. ونتجاوز الانتماء الديني – المذهبي الذي يقسّم اللبنانيّين شيعًا شيعًا. وهذا ما يحضّنا على توصيف الصيغة التي تضمن استمراريّة الكيانيّة اللبنانيّة التي في صلبها تعيش كلّ مجموعة لبنانيّة من المجموعات الحضاريّة التي تشكّلها قناعاتها وحرّيّتها لأنّها لا تستطيع أن تعيش من دون الآخر المختلف  عنها.

وهذا ما يدحض أيضًا نظريّة التقسيم على القاعدة الدينيّة التي نرفضها لأنّنا نؤمن بالكيانيّة اللبنانيّة التي تحتّم علينا العيش معًا. وهذا ما يحتّم أيضًا الاقرار بأنّه برغم النوايا الحسنة الموجودة عند المجموعات الحضاريّة اللبنانيّة، وبرغم وجود بعض النوايا الاستئثاريّة والإلغائيّة عند بعض هذه المجموعات التي كلّما شعر بعض منها بنشوة القوّة نتيجة امتلاكه فائض قوّة من سلاح غير شرعي قد يحصل عليه، أو من خلال  تحالفات إقليميّة نتيجة صعود تيّارات قوميّة كما حصل في  زمن عبد النّاصر، أو تيّارات  إيديولوجيّة كما يحصل اليوم مع قسم من المجموعة الحضاريّة الشيعيّة؛ بغضّ النّظر عن هاتين الحالتين لا يمكن حذف احتمال الأذى المتبادَل سواء أكان قصديًّا أم غير قصديٍّ. ولعلّ هذا ما سيؤدّي إلى سلوك حذر قد  يصل إلى حدّ الخوف أو الترهيب أو حتّى الترغيب ممّا يضعف  العلاقات الإنسانيّة – الإنسانيّة، وبالتّالي يساهم في إضافة المزيد من التفكّك في المجتمعات المركّبة مثل لبنان. وما قد  ينتج عنه عند وجود أيّ شرارة نزاع حضاريّ قد يسلك سبل العنف  المختلفة.

وهذا ما يتلاءم مع نظريّة ” القنفذ” الذي تحدّث عنها كلّ من  آرثر شوبنهاور وسيغموند فرويد في وصفهما حالة الفرد بالنسبة إلى الآخرين في المجتمع. وهذه المعضلة تشير إلى أنّه برغم وجود النوايا الحسنة فالعلاقات الانسانيّة الحميمة لا يمكن أن تحدث من دون قدر كبير من الأذى المتبادَل، مما يؤدي إلى سلوك حذر وضعف العلاقات بدلًا من تقويتها. فالقنافذ التي تقترب بعضها من بعض لتتبادل الحرارة خلال الشتاء قد تؤذي بعضها بعضًا بأشواكها، وإن ابتعدت كثيرًا تبرد. لذلك هي تبحث عمّا يمكن تسميته ” المسافة الآمنة” لأنّ القنافذ لا يمكن أن تعيش إلا من ضمن مجموعة واحدة.

وهذه هي الحالة اللبنانيّة التي لا يمكن التوصّل إلى تثبيت الكيانيّة اللبنانيّة فيها من دون هذه ” المسافة الآمنة”. ولا تبنى هذه المسافة إلا على قاعدة الاعتدال لتحقيق المصلحة الشخصيّة للشخص البشري  التي تسمح له بعيش حرّيّته الشخصيّة الكيانيّة؛ في مقابل أن تسمح هذه المسافة نفسها للمجموعة بأن تحقّق هي أيضًا مصلحتها.

لذلك كلّه، ما لم نستطع المحافظة على ثالوث اللغة والتاريخ والروحانيّة التي أشرت إليها في أكثر  من موضع بما اصطلحت على تسميته ب ” ثورة النسّاك”؛ وشرحتها بضرورة تفعيل هذه النمطيّة في  العيش بين اللبنانيّين جميعهم لا سيّما المسيحيّين منهم للحفاظ على ما تبقّى. لن نستطيع النهوض بلبنان من جديد. وسنذوب كلّنا في هويّة حضاريّة قد لا تتناسب مع أبعادنا الثقافيّة والحضاريّة والتاريخيّة وحتّى الدينيّة. وعندها سيصبح لبنان وطنًا بهويّة يضمّ مجموعة شعوب، على تعدّد هويّاتها، لا هويّة مُشتَرَكَة لها.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل