كتبت مارلين خليفة صحيفة "السفير": بدت قرارات الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب الذي انعقد السبت الفائت في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة كأنها هبطت فجأة بلا مقدّمات. فبعد اجتماع القاهرة في الثاني من الجاري وما أشيع قبله وبعده من أجواء إيجابية، ولا سيما تجاوب دمشق مع مقرراته، بدا أن ثمة «إيحاء» جعل الأمور تتدحرج في غير مسارها المنتظر، فكان قرار تجميد مشاركة وفد سوريا الرسمي في اجتماعات الجامعة ومنظماتها المختلفة بدءا من يوم الأربعاء المقبل بسبب عدم تنفيذها بنود المبادرة العربية، وكذلك الدعوة إلى سحب سفراء الدول العربية الأعضاء في الجامعة من دمشق وإن بشكل «سيادي» (كل دولة تقرر بمفردها) والتلويح بعقوبات سياسية واقتصادية.
وكان اللافت للانتباه هو صدور القرار العربي بغالبية تمثل 8 من أصل 21 دولة عربية، فيما كان لبنان واليمن الدولتين الوحيدتين اللتين اعترضتا على هذه المقررات، قبل أن يعلن كل من الجزائر والعراق في اليوم التالي رفضهما لقرار سحب السفراء، لا بل ذهبت بغداد باتجاه انتقاد مجمل القرار العربي واعتباره «غير مقبول».
وقد شكل موقف السودان صدمة للوفد السوري، ما استدعى إعلان رئيس البعثة السورية يوسف الأحمد أنه «في الأزمة السودانية كانت سوريا سودانية أكثر من السودان ولكن هذا البلد واجهنا اليوم بصمت مطبق».
ولعل التدقيق في مجريات الأحداث منذ يوم الخميس الفائت، يبرز ما يسميها أحد الدبلوماسيين «النوايا المبيّتة تجاه سوريا»، والتي برزت عبر مؤشرات عدّة أبرزها، بحسب الدبلوماسي المتابع عن كثب لمجريات الأزمة السورية:
أولا، بعد مرور ثلاثة أيام فحسب على إعلان المبادرة العربية، أعلنت جامعة الدول العربية أن سوريا لم تعمد الى تنفيذها مستبقة مهلة الـ15 يوما التي منحها الوزراء العرب لدمشق بالدعوة الى اجتماع عربي استثنائي.
ثانيا، تجاهلت اللجنة الخماسية كليا الرسائل السورية الإيجابية التي أرسلت إليها من حيث الإفراج عن مئات المعتقلين وسحب الدبابات العسكرية من عدد من المناطق السورية ونشر قوات الشرطة في عدد من المدن وبداية السماح لوسائل الإعلام بالدخول الى مناطق التوتر.
ثالثا، ما حدث في سوريا بعد الإعلان مباشرة عن المبادرة العربية من عمليات قتل على الهوية في عدد من المناطق المختلطة، ذهب ضحيتها 70 شخصا من طائفة واحدة، وهذا الأمر لم يعلن عنه في حينه، من قبل السلطات السورية، حرصا على عدم تأجيج الأوضاع، وهناك قرى أفرغت بالكامل من سكانها.
رابعا، بعد الإعلان عن المبادرة، تم تهجير عدد كبير من المسيحيين في مناطق مختلطة لكن ظلّ الأمر طيّ الكتمان ايضا، حيث طلب منهم مغادرة بيوتهم وقراهم تحت طائلة تهديدهم بالقتل.
«هذه المؤشرات الخطرة، على حد توصيف الدبلوماسي المتابع، كانت تظهّر أرضية حوار مصطنعة لا تريد من النظام السوري الالتزام بالمبادرة العربية من دون نسيان الضغوط الأميركية اليومية على الدول العربية وفي مقدمتها قطر ودعوات الأميركيين الصريحة للمعارضة لعدم تسليم السلاح الى السلطة».
أما وقد صدر ما صدر عن اجتماع القاهرة، فإن الدعوة السورية الى عقد قمة عربية طارئة والترحيب بقدوم اللجنة الوزارية العربية الى دمشق قبل السادس عشر من الجاري، أدت الى خلط الأوراق مجددا، فيما تتجه الأنظار الى الرباط حيث تنعقد، بدءا من اليوم وحتى السابع عشر من الجاري، أعمال الدورة الرابعة لمنتدى التعاون العربي ـ التركي. ومن المقرر أن يلتئم على هامشها الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب للتباحث في الشأن السوري.
ويتوقع دبلوماسي عربي مواكب لمجريات الوضع السوري أن يفضي الاجتماع الى التسجيل بأن الاجتماع الوزاري انعقد بلا أي ممثل رسمي للدولة السورية، والى وضع خطة ممنهجة لتهيئة اجتماع وزاري عربي مع المعارضة السورية في القاهرة يوم غد، يصار خلاله الى الاعتراف بالمجلس الوطني السوري برئاسة برهان غليون بصفته «الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري»، علما أن الأمين العام للجامعة نبيل العربي قلل من فرص هذا الاحتمال حتى الآن.
وعلى هامش الاجتماع الوزاري العربي يوم السبت والذي سبقه اجتماع خماسي يوم الجمعة في فندق «فور سيزن» في القاهرة، يسجّل دبلوماسيون متابعون أن بند سحب السفراء هو «إجراء شكلي يتعلق بكلّ دولة على حدة»، خاصة بعد أن عدّل في البيان الختامي لناحية إبقائه «سياديا»، أي متروكا لكلّ دولة على حدة، بعدما كان جازما في الصياغة الأولى. ويلفت هؤلاء الانتباه الى «تميّز موقف لبنان الذي أعرب بصراحة عن أنه لن يسحب سفيره من دمشق وأنه ليس في وارد فرض عقوبات اقتصادية على سوريا».
ويبدو أن مسألة العقوبات لا تعدو كونها موقفا مبدئيا من الجامعة العربية لأن القرار الصادر «غير مقترن بآليات واضحة» بحسب الأوساط الدبلوماسية المواكبة التي أكدت من جهة ثانية أن مباحثات اللجنة الخماسية بقيت طيّ الكتمان فيما كثرت الأسئلة التي لم تعثر على إجابات منطقية عن كيفية تحوّل آراء بعض الدول، وخصوصا الجزائر والسودان، من مؤيدة لسوريا الى منخرطة في الخيار القطري.
وتوقفت هذه الأوساط عند عدم احترام الجامعة للمهلة الزمنية التي كان من المنتظر أن تشهد في ختامها، أي يوم الأربعاء، توجه وفد من اللجنة الخماسية الى دمشق لمناقشة المسؤولين السوريين في ما نفّذ وفي ما لم ينفّذ من الورقة العربية التي أقرّت في الدوحة والتي نصت على 3 أمور رئيسية: الإفراج الفوري عن المعتقلين وقد بدأت سوريا فعلا بإطلاق عدد منهم، انسحاب قوات الأمن وهو ما نفذ جزئيا أيضا، ونشر مراقبين من الجامعة العربية والبدء في حوار مع المعارضة، وبالتالي، تضيف الأوساط نفسها، «ما حدث في القاهرة يوم السبت أمر غير اعتيادي، إذ لم يتوقع أحد أن يصدر قرار من العيار الثقيل»، كما أن «الغموض في آليات العقوبات الاقتصادية وكيفية حماية المدنيين من القتل، يشير الى أن القرار اتخذ سريعا وفورا من دون التعمق بتفاصيله»، مضيفا: «بالحديث عن حماية المدنيين من القتل والاتصال بالجمعيات الإنسانية والمجتمع المدني، كيف يتمّ ذلك عمليا في ظلّ بداية قطيعة دولية لسوريا بدءا من جامعة الدول العربية؟».
وتشير الأوساط نفسها الى أن الاجتماع مع المعارضة السورية غدا بالتزامن مع اجتماع الرباط «سيؤشر بوضوح الى كيفية تطوّر الموقف العربي الذي يبدو أنه آخذ بالتصاعد على وقع التصفيق الغربي وخاصة الأميركي، ومن هنا سر حماسة الرئيس الأميركي باراك أوباما للتهنئة بالقرارات العربية فور انتهاء وزير خارجية قطر من تلاوتها»..
من جهته، تكتّم وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور على ما سيكون عليه الموقف الذي سيحمله لبنان الى اجتماع الرباط الذي سيشارك فيه على رأس وفد يضم مدير الشؤون الاقتصادية السفير مصطفى حمدان والسكرتير بريجيت عجيل. وردا على سؤال لـ«السفير»، قال منصور قبيل توجهه الى المغرب «لا موقف قبل أن نصل الى الرباط، ونكتفي بما صرحنا به بعد عودتنا من القاهرة». ولدى سؤاله عن موقفه ممن يدعون الى نزع الثقة به على خلفية موقفه في اجتماع القاهرة، قال منصور: «موقفي يعبّر عن موقف الحكومة اللبنانية جمعاء ومن يرد نزع الثقة عني، فليتوجه الى الحكومة».
وكان منصور قد حذر في اجتماع القاهرة من «السماح بتأجيج النار التي ستلتهم الجميع»، لافتا الانتباه الى انه منذ الاجتماع الوزاري الاول «كانت هناك نية من بعض الأطراف بتعليق عضوية سوريا في الجامعة»، ورفض تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية «لما له من تداعيات خطيرة على المنطقة وعلى سوريا بالذات»، مؤكدا «ان هذه الخطوة من شأنها تعقيد الامور أكثر فأكثر ولن تؤدي الى الامن والاستقرار في المنطقة».
وفيما توقع كثيرون أن يؤدي قرار الجامعة العربية الى تمهيد الطريق أمام التدويل، وأن يشكل عنصر إحراج كبيرا للجانبين الروسي والصيني في مجلس الأمن الدولي، خاصة مع تلويح الدول العربية بالاتصال بالمنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، فإن الأنظار تتجه مرة جديدة الى ما سيكون عليه موقفا الصين وروسيا.
وفيما ظل الموقف الروسي حتى الآن متمسكا بخيار الحل السياسي، فإن زيارة بطريرك موسكو وكل روسيا كيريل الأول الى سوريا واجتماعه بالرئيس بشار الأسد، غداة الاجتماع العربي، قد أفسح أمام إعطاء تفسيرات للموقف الروسي، لا تغادر النظرة التقليدية الروسية للملف السوري.
وفي بيروت، قال مصدر دبلوماسي صيني بارز لـ«السفير» لدى سؤاله عن كيفية تطوّر موقف الصين بعد قرارات المجلس الوزاري العربي ان الصين «ستبقى مع الحل السياسي الذي يحافظ على التضامن بين بلدان المنطقة وعلى السلام فيها». وعن إمكان تكرار السيناريو الليبي مع سوريا، قال المصدر الدبلوماسي الصيني: «امتنعت الصين عن التصويت على منطقة حظر جوي فوق ليبيا لكن ما حصل هو تجاوز للقرار المتخذ، لذا نكرر أننا ضدّ أي تدخّل خارجي في شؤون دول المنطقة».
وعمّا إذا كان موقف الصين عرضة للتبدل بعد الموقف العربي قال الدبلوماسي الصيني: «ليس موقف الدول العربية واضحا بعد بالقدر الكافي، كما أن الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي هي في طور نقاشات يومية ومستمرة حيال الوضع السوري وستحتفظ الصين دوما بموقف متوازن يسهّل الحلّ السلمي ولا يؤزّم الوضع ويزيده خطورة».