يبدو السيناريو الذي تهدّد به طهران ردّاً على أيّ ضربة تتعرّض لها منشآتها النوويّة، هو عينه الذي يهدّد به الرئيس بشّار الأسد في حال التدخّل العسكري الغربي: مئات الصواريخ الإيرانيّة على آبار النفط الخليجيّة وإسرائيل، ومئات الصواريخ السوريّة من الجولان والجنوب وغزّة على إسرائيل، وعمليّات يقوم بها "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" ضدّ المصالح الأميركيّة في العالم، وعمليّات ضدّ الأميركيّين في العراق وأفغانستان.
لذلك، يشكّك العديد من الباحثين الاستراتيجيّين في قيام إسرائيل بضربتها، إذا كان هناك قرار بتنفيذها، في الوقت الحاضر، أي في مدى الأسابيع القليلة الباقية من هذا العام. وكانت مصادر بريطانية توقّعت الضربة في هذا المدى الزمنيّ، بعد صدور التقرير الأخير لوكالة الطاقة النوويّة الدوليّة. كما يشكّك هؤلاء الباحثون في حصول تدخّل عسكريّ دوليّ في سوريا في المدى القريب، على غرار ما حصل في ليبيا. فهناك محاذير حقيقيّة من لجوء الحلف السوري- الإيراني الى خيارات غير محسوبة، إذا ما وصل الى اقتناع بأنّه بات فِعلاً أمام المواجهة الأخيرة. وهذا المحور لا يمكن أن تعيش أجزاء منه فيما تسقط أخرى. واحتمال سقوط النظام في سوريا يثير إيران تماماً كما يحرّك الأسد ضرب المواقع النوويّة الإيرانية. وفي الحالين، سيدخل الحلفاء في لبنان وغزّة والعراق في "المواجهة النهائيّة". وقد أظهر موقفا لبنان والعراق في الاجتماع الأخير للجامعة العربيّة، أنّ المحور السوري – الإيراني هو الذي يمسك بالقرار في الهلال الممتدّ من طهران الى بغداد ودمشق فبيروت. وهذا المحور يخوض معركة حياة أو موت لكامل أجزائه.
مئات الطلعات لعشرات المواقع
وأساساً يدور نقاش في إسرائيل حول صوابيّة توجيه ضربة الى المنشآت النوويّة الإيرانيّة، شبيهة بعمليّة "أوبرا" التي دمّرت المفاعل النوويّ العراقي في 7 حزيران 1981، خلال لحظات، وعمّا إذا كان مثل هذا الحلّ ناجعاً في إيران حاليّاً. فالمنشآت الإيرانيّة موزّعة بالعشرات في أنحاء مختلفة من البلاد. وضربُها يحتاج، وفقاً للخبراء، الى مئات الطلعات الجوّية الإسرائيلية وآلاف الأطنان من الذخائر المحمولة. كما أنّ الاكتفاء بأبرز المواقع يستدعي ضرب ثلاثة منها على الأقلّ، وهي: نطنز التي يجري فيها التخصيب، وأصفهان حيث إنتاج غاز سادس فلورايد اليورانيوم، وأراك التي يبدأ فيها العام المقبل تشغيل معمل للأبحاث النوويّة.
وهذا الأمر يستدعي أيضاً عبور المقاتلات الإسرائيليّة وطائرات التزوّد بالوقود أجواء دول كسوريا والسعوديّة وتركيا، على نطاق واسع، ما قد يؤدّي الى إفشالها. وهناك نقاش في واشنطن حول جدوى الضربة العسكريّة لإيران النوويّة. وثمّة من يعتقد أنّ ضرب المنشآت النفطيّة الإيرانيّة قد يكون أكثر أمناً من فتح مواجهة ذات طابع نوويّ، وأكثر جدوى لأنّ إيران تعتمد على النفط بنسبة 75% من وارداتها.
عاجلاً أم آجلاً
لكنّ إسرائيل، وفقاً لمحلّلين، تتّجه عاجلاً أم آجلاً الى التخلّص من إيران النوويّة، كما ضربت محاولات العراق وسوريا قبل اليوم. فهي تعيش عقدة الإبادة التاريخيّة التي واجهتها في الحرب العالميّة الثانية. ويصعب على إسرائيل قبول دولة نوويّة أخرى في المنطقة لأنّ استهدافها نوويّاً قد يكتب النهاية لها.
ولذلك، يرجّح المحلّلون أن يتريّث الإسرائيليّون في توجيه ضربة عسكريّة لإيران حاليّاً انتظاراً لظروف أفضل، على رغم المخاطر من تطوير القدرات النوويّة. كما يتريّث المجتمع الدولي في التدخّل العسكري في سوريا على رغم الأثمان التي يدفعها المدنيّون. وفي هذا المجال، يتمّ إعطاء الفرصة الكافية للعرب، كي يساهموا في "إنضاج" عملية التغيير في دمشق، وفتح الباب أمام الضغوط الشعبيّة الداخلية والعقوبات السياسية والاقتصادية لتدفع النظام الى التراجع وبدء عمليّة التغيير. فالحلّ العسكري الدولي وارد، لكنّه الخيار الاضطراري والأخير، إذا فشلت المحاولات العربيّة.
ويفضّل المجتمع الدولي مواجهة المحور المتحالف على طريقة هنري كيسينجر "خطوة خطوة" لا دفعة واحدة، تجنّباً للزلزال الذي يَعِد به الإيرانيّون والأسد، والذي قد يكون مكلفاً للجميع. ولذلك يتمّ التأنّي في إنضاج الملفّ السوري قبل التفرّغ للملفّ الإيراني.
وسيكون التضييق على حلفاء سوريا وإيران في لبنان وغزّة جزءاً من محاولات الإنضاج هذه. والضغط المستجدّ الذي تتعرّض له حكومة الأكثرية الحاليّة، على خلفيّة المحكمة الدوليّة وتغطية النظام السوري، يعبّر عن هذا الاتّجاه.