لا يحسد ربيع الثوار العرب إلاّ أهل شتاء أنظمة آفلة غدرت بحالها قبل أن تغدر بشعوبها وثروات أوطانها وتحيلها خراباً فوق خراب.
.. والسيرة في ذروتها، بعد أن وصلت مواصيل أهل السلطة السورية إلى مكان بائس. لا خضرة فيه ولا كلأ ولا ماء ولا حياة.. ولا مَنْ تنادي. حيث عبرت قافلة التغيير محطة اللاعودة منذ مدّة وتكاد أن تصل إلى مبتغاها. وحيث تكتمل مقوّمات الالتفاف حول شعب شجاع يقاتل ببأسه بؤس السلطة وأدواتها وآلتها الحربية، ويطرح مثالاً خلاّباً عن البديهيات الأولى، حيث الصوت أقوى من الرصاص، وحيث هدير الموقف لا يحجبه طغيان مهما تدرّع وتسلّح وتكبّر وتجبّر.
ولا شيء مفاجئاً في كل أداء تلك السلطة. لا في سياستها ولا في "ثقافتها"، ولا في ممارساتها ولا في دمويتها. ومخطئ مَنْ يفترض عكس ذلك، أو يربط الفعل الراهن بحالة مستجدّة، أو بلحظة إكتمل فيها الحصار، أو نتيجة الحراك المحلي والعربي والدولي الذاهب إلى حالة حسم طال انتظارها.
ما يتدلى من بذاءة وابتذال من عريشة تلك السلطة وملحقاتها وتوابعها، ليس إلاّ مراساً أصلياً، روافده كثيرة. منها طبائع الاستبداد وضرورة تعميم "مصطلحاته" وطقوسه على الأتباع والأخصام سواء بسواء. ومنها ما هو صادر، أو يدّعي الصدور عن تراث نظري يمجّد العنف بشقّيه اللفظي والفعلي. ومنها ما هو طارئ بفعل حالة الطوارئ القائمة منذ 8 شهور بطريقة غير مسبوقة في كل التاريخ السوري الحديث… لكن حتى في الحالة الأخيرة، لم يذهب الأداء بعد (؟) إلى لحظة مفاجئة.
وأكثر من ذلك، إنّ الأداء المبتذل في السياسة والإعلام كان ولا يزال جزءاً متمّماً لسياسة مدروسة يُستخدم فيها ذلك المُعطى (الابتذال) جنباً إلى جنب مع الديبلوماسية السرّية والعلنية. ومع المحادثات والمفاوضات ومع عدّة السلطة في مجملها، بكل ما فيها من أبواب وإمكانات ودوائر وأسلحة: ترهيب الخصم وتحطيم معنوياته من خلال تحطيم كرامته وخواصه الأليفة الأقرب إلى مشاعره وأعصابه وتراثه وتركيبته وتربيته وبيئته وحرماته ومحرّماته، هو طريق ثابت لتحطيم العقل وما يحمله من أفكار وآراء بغضّ النظر عن مضمونها، طالما أنّها صادرة عن حالة عدائية أو مشروع عدائية مرشّح للاكتمال!
الجديد في الصورة الماثلة أمامنا في الأيام الأخيرة تحديداً، هو اتساع نطاق المستهدفين تبعاً لاتساع مروحة هؤلاء، خصوصاً منهم الذين يئسوا من أي امكانية لانتقال سلمي سلس للسلطة السورية يوفّر على شعبها ما عاناه غيره، ويجنّبها والمنطقة كلها خسائر إضافية.
وفي اتساع نطاق تلك المروحة بؤس سلطوي مضاعف: في فترة زمنية قصيرة لا تتعدّى بضعة شهور خسرت سلطة الاسد ما راكمته على مدى سنوات من علاقات اقليمية ودولية، وما استطاعت أن تعيد تركيبه بما يخدمها هي أكثر من الآخر، بعد أن كانت انكشفت تماماً أمام الداخل فحصدت في المحصلة خسراناً مزدوجاً مبيناً ودائماً.
مَنْ كانت تلك حالته لا يفاجئ في شيء، فكيف الحال وأداؤه في الإجمال، آتٍ من مدوّنة سلوك لا أخلاق فيها أصلاً وفصلاً!.