الاختبار اللبناني – السوري
تمر الأزمة اللبنانية بمرحلة من الاختبارات الحيوية خلال الأشهر القليلة المقبلة تجعل الصيف الحالي مليئاً بالحركة السياسية، موازياً للحركة السياحية وحيوية موسم الاصطياف الذي يشهده البلد الجريح والمتأزم على الدوام.
وعلى رغم أن الكثير من جوانب الأزمة اللبنانية يخضع بعد اتفاق الدوحة الى حال الترقب لما ستؤول اليه حركة التفاوض الجارية حول الأزمات الإقليمية، فإن قيام حكومة الوحدة الوطنية وبدءها ممارستها مهماتها الأسبوع المقبل بعد نيلها الثقة، يطلقان دينامية معينة على صعيد معالجة بعض جوانب الأزمة. وهي دينامية قد تقود الى تبريد بعض عناوين الأزمة، أو قد تؤسس لمرحلة جديدة من التأزيم السياسي والأمني في لبنان، أو الى الاثنين معاً، فيجري تبريد ملف ويتصاعد الخلاف حول غيره.
فملفات التأزم اللبناني غير قابلة لأخذ إجازة خلال الصيف. والأرجح أن مرحلة الفراغ والشلل التي شهدها لبنان الرسمي على مدى سنة ونصف السنة تفرض التعويض عنها في الأشهر المقبلة، مع مباشرة القوى السياسية اللبنانية الانغماس في الحملات الانتخابية تمهيداً للانتخابات النيابية العامة التي تشكل محطة فاصلة في تحديد الوجهة التي ستستخدم فيها «الساحة» اللبنانية في مستقبل الأزمات الإقليمية. فالتفاوض الإسرائيلي – الفلسطيني، والسوري – الإسرائيلي، والإيراني – الأميركي والغربي عموماً، يجعل هذه الساحة في حال تحضير للاحتمالات كافة، بالتناغم مع سعي هذه الدولة أو تلك، وهذا المسار التفاوضي أو ذاك، الى انتظار محطة أخرى هي الانتخابات الرئاسية الأميركية. لكن ثمة ملفات في لبنان لا تستطيع الانتظار، إذا كان بعضها الآخر قابلاً للتجميد كجزء من الأوراق التفاوضية لكل فريق إقليمي أو دولي. بل إن الجمود الذي قد يصيب هذا المسار التفاوضي الخارجي أو ذاك، قد يفرض تحريكاً لبعض الملفات على الساحة اللبنانية لأن التهيؤ لاستحقاقات الصفقات قد يتطلب انسجاماً مسبقاً معها في لبنان يفرض تحولات سياسية قد لا تخلو من الأحداث الأمنية أحياناً.
لكن أول الاختبارات اللبنانية التي لها مغزى كبير هو مقاربة العلاقات اللبنانية – السورية بصيغتها الجديدة. وقد يختزل هذا الاختبار الكثير من عناوين الأزمة السياسية اللبنانية.
فالقمة اللبنانية – السورية المرتقبة الأربعاء المقبل تطرح على فريقيها تحديات من نوع جديد. ومن الجانب اللبناني تبدأ التحديات بمدى قدرة الرئيس الجديد للجمهورية العماد ميشال سليمان على مقاربة العلاقة المباشرة بينه وبين القيادة السورية على أسس جديدة مختلفة عن أسلوب أسلافه من الرؤساء، وخصوصاً السلف الأخير، الرئيس إميل لحود، الذي أخضع هذه العلاقة الى قاعدة عدم رفض أي طلب من دمشق مهما كان يتطلب من تنازل عن أبسط «مقومات» الرئاسة. ولهذه القاعدة «عدتها» بدءاً بطغيان الجانب الأمني في العلاقة خصوصاً حين يتولاها ضباط وعسكريون في الشأن اليومي أو من يكتفون بنقل التعليمات من السياسيين سواء علا شأنهم أو صغُر. وإذا كان الرئيس سليمان اعتاد بعض الأوجه الأمنية من العلاقة مذ كان قائداً للجيش على مدى 9 سنوات، فإنه أمام التحدي في طريقة إدارة العلاقة الجديدة بعيداً عن طقوس العلاقة القديمة، طالما أنه طالب بأن تكون العلاقة ندية في خطاب القسم. لكن قوى الأكثرية في السلطة هي الأخرى أمام التحدي. فلطالما رفعت شعار تصحيح العلاقة اللبنانية – السورية وأمامها مهمة تحديد ما تريد من هذه العلاقة وكيفية مقاربتها في شكل يدفع حتى خصومها من حلفاء دمشق الى الانخراط في شكل واقعي، يفيد من الضغوط الدولية والعربية على دمشق لتخرج من سياسة الإخضاع التي مارستها على اللبنانيين طوال عقود. إذ أن المقاربة المطلوبة من قوى 14 آذار بعد الآن لم يعد ممكناً أن تخضع لمنطق الشعارات التعبوية لأن عليها توضيح ما تقبل به في تفاصيل هذه العلاقات من معاهدة التعاون والاخوة والتنسيق والاتفاقات المعقودة، بدلاً من البيانات العشوائية التي تصدر عنها.
أما دمشق فإن التحدي المطروح عليها هو ان تثبت انها غادرت الرغبة في وضع اليد على القرار السياسي اللبناني، ولو بأسلوب غير مباشر بعد انسحاب قواتها منه. فالقرارات الدولية الصادرة في شأن ترسيم الحدود اللبنانية – السورية ليست مجرد قرارات لمسألة فنية يقوم بها التوبوغرافيون، لأنها ترمز الى ترسيم حدود التدخل السوري في الشأن اللبناني الداخلي أولاً، وهو ما ترصده الدول الغربية والعربية التي ربطت انفتاحها على دمشق به، عبر خطوات ملموسة، من دون مناورة.