#dfp #adsense

ورحلت أم الشهداء… “اشتقتلكن يا ميمتي”

حجم الخط

أم رزوق رحلت. لا، أم الشهداء التحقت أخيراً بأبنائها الشهداء الأربعة إضافة لزوجها، وحققت أمنية عمرها، الذي توقف هناك في السنين البعيدة عندما استشهد الاب وهو يحمل بندقيته على جبهات المقاومة وهو بعد في أول خمسينه، ثم استشهد من بعده أبناؤها الثلاثة على جبهات الكرامة، ولا تزال دماؤهم عالقة على ذاكرة أجيال، أرادت أن تبقى مقاومة كي لا تنسى أم رزوق وآلاف أمهات الأبطال أمثالها، ثم مرضت أختهم الصبية وماتت من فرط حسرتها على أخوتها الشباب! يا الله أي تجربة إيمان هذا، عندما يتربع في قلب البيت صورة لأربعة شبان وصبية وكلهم في عزّ العمر، وأم حوّلت الصورة الى حياة، تحاكيها على مر الدقائق، وتسألها “كيفكن اليوم يا ميمتي”؟!

نسي الرفاق اسمها الأصلي، وصارت أم رزوق علامة فارقة في الإيمان والصمود. اسمها ماري يوسف أبو نجم، هكذا كتبت الورقة الرسمية التي تنعيها، ومع ذلك لا نزال نصرّ الا تحمل الا تلك الصفة النبيلة “ام الشهدا”. غلبت الصفة الاسم بعدما تحولت تلك السيدة الى مثال أعلى في تحمل ألم لا تقوى عليه حتى الجبال.

منذ نحو عشر سنين، وبهدف الكتابة عن أم رزوق، ذهبنا الى قريتها سلعاتا، وحاورناها. لما دخلت حسبت أني سأرى امرأة مسنّة منهارة، متشائمة، نسيت حتى البسمة ومعها الكلمة الحلوة الرقيقة. حسبت سأتعرّف الى امرأة قاسية غاضبة على ربها، ترفض استقبال الناس وتضطهد الحياة برمتها، واذ تستقبلنا امرأة فائقة الحنان، مهضومة حدّ الطرافة، تحبّ الناس والناس في الضيعة يحبونها ويعتبرونها مثالاً أعلى في الإيمان وقبول إرادة الرب. جاءت الينا سيدة ممتلئة من روح العذراء مريم، تتشح بجلالها الرقيق، تحمل صورة لصيقة بها، الى درجة كأنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من جلدها، صورة خمسة شهداء، جلست الى أريكتها وروت لنا على التوالي كيف استشهدوا وهي أم الـ13 ولداً أساساً.

البداية كانت مع عادل سلوم الزوج، شهيد حرب الـ1975، ومن بعده جورج ثم جان فميشال، وأخيراً شقيقتهم تيريز، وبين استشهاد الأب والابن الأول 15 يوماً فقط، وذلك عندما حاول السوريون اختراق المنطقة المحررة في البترون، أما الأخ الثاني فاستشهد في منطقة صغار البترون على يد الاحتلال السوري أيضاً، والثالث في القليعات في حرب الالغاء. أي تجربة مريرة تلك يمكن لقلب أم أن يتحملها؟ أهي قصة من فيلم، أو حكاية خيالية من وحي نضال الشعوب المكسورة المحتلة؟ لا هذا ولا ذاك، هذه حكاية لبنانية مُضرّجة بالكرامة والمقاومة والصمود، هذه حكاية من وطني لبنان، حكاية أم غمّست رأسها في البدلة الزيتية ومرمغت دموعها لتختلط بدماء أبنائها، وليتحول الدم والدموع الى ذبيحة الإيمان على مذبح يسوع وليس أقل، ليس أقل يا كفار هذه الارض ويا ناكري التاريخ وحكايات أبطالنا.

أذكر يومذاك أني سألت أم رزوق من الأجمل من بين أبنائها الشهداء وأجابت “كلّن حلوين، كلّن قطعة من قلبي”. طيب أم رزوق من الأكثر شجاعة؟ “يقبروني هني الشجعان لأن اختاروا الموت ولا الذل يا ميمتي”. يا ميمتي، هكذا تنده على أبنائها. يا ميمتي يا تلك الأم التي جعلت من دمعة أم شهيد من المقاومة اللبنانية، بحر حب لا ينضب مهما كان القلب جريحاً ينزّ الماً، “يا ميمتي بوجع مع وجع قلب يسوع”، هكذا أجابت عندما سألتها كيف تحملت هذا الفراق… وخجلِتُ، خجلت من نفسي وضعفي، جعلتني صغيرة في الإيمان، وحتى في القضية. كيف تقبل أي أمّ أن يحصل ما حصل لأبنائها؟ “يا ميمتي الله ما بيحمّل إنسان أكتر من طاقتو” قالت. وحملت الصورة، أذكر تماما، ودخلت غرفتها وبدأت بحوارها اليومي معهم، “عادل يمّي شو عملت اليوم؟ جان رجعت ع البيت يما بعد، رجاع ما تتأخر يا ميمتي. جورج وين رايح؟ تيريز تعي يمي ساعديني بتحضير الغدا. ميشال استعجل وما تنسى الخبزات يا ميمتي إخوتك جوعانين”…

يا الله أي أم تلك، أي قلب هذا، أي ألم، أي صبر، أي إيمان، أي مناضلة أنت يا أم رزوق، وأي فرح تعيشينه الآن بعدما انتظرت هذه اللحظة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً للقاء قلوبك المتناثرة في ضياء السماء؟!

ستبكي عليك سلعاتا ليس دموعاً، إنما قطرات احترام لامرأة سكنت بيتاً مدروزاً بملحمة استشهاد، بيت ما عايشت جدرانه الا الأبطال، بيت سكنته امرأة أرسلت ذات احتلال كريه، أولادها ببدلاتهم الزيتية الى متاريس الكرامة، فخرجوا وعادوا إليها في التوابيت البيض، انحنت فوقهم وقبلت جباههم وقالت بالصوت المتهدج ألماً وكرامة “لأجل اسمك يسوع لمجد كرامتك لبنان”.

أم رزوق…لا، يا أم الشهداء رحلتِ بفرح اللقاء وعلى رجاء القيامة، لكن في مفكرة المقاومة اللبنانية وحكايا الأمهات، صرتِ الرمز والحكاية، صرت تلك الصبية التي لم تكبر حتى لو تجاوزت تسعينها، لأن الإيمان والصمود زيح من ضوء الرب لا تمحوه السنين ولا تشطبه تجعيدة، الإيمان قلب شبّ في ثلاثينه، من عمر المسيح تماماً. لكِ فرح اللقاء أم رزوق.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل