
كتب شارل جبّور في صحيفة "الجمهورية": يعتبر مصدر قياديّ في قوى 14 آذار أنّ المشهد السياسيّ الذي بدأ يرتسم على مستوى لبنان والمنطقة من الباب السوريّ بات يحتّم على هذه القوى رسم خارطة طريق لمرحلة ما بعد سقوط النظام السوري، خصوصا أنّ سقوطه لا يعني بالضرورة سقوط منظومته في لبنان، فضلا عن مسؤوليّة هذه القوى في وضع خطتها ورؤيتها للعبور بالبلد من مرحلة إلى أخرى، ترجمة، وليس تذكيرا فقط، للشعار الذي رفعته في مؤتمرها الثاني في الذكرى الرابعة لانتفاضة الاستقلال "العبور إلى الدولة".
وقال المصدر إنّ المرحلة الراهنة قد تكون شبيهة إلى حدّ بعيد بالمرحلة التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومن ثمّ انتفاضة الاستقلال من زاوية التحوّلات التي أحدثتها في الحياة السياسية اللبنانيّة، مع فارق أنّ عامل المفاجأة الذي تمثّل باغتيال الحريري وتسارع وتيرة الأحداث وغياب التنظيم لدى المعارضة كما الخطّة المرحليّة أدّى إلى ما أدّى إليه من هفوات غير مقصودة، لا بل كان من الصعب، ربّما، تفاديها، لأنّ الأولويّة كانت إعادة تكوين السلطة للإمساك بمفاصلها ونقلها من الحقبة السوريّة إلى الحقبة السياديّة، الأمر الذي كان مستحيلا من دون تحييد الثنائية الحزبيّة الشيعية عن المواجهة مع دمشق، وبالتالي إبرام تسوية معها من خلال قانون الانتخابات تحقيقاً للتحوّلات المطلوبة.
ويشير المصدر القياديّ في قوى 14 آذار إلى أنّه على الرغم من ذلك، تمكّنت القوى التي كانت مؤتمنة على إدارة تلك المرحلة من إنجاز الانسحاب السوريّ من لبنان وإعادة تكوين السلطة، ولا يفترض الاستهانة بهذين الإنجازين، إذ إنّ الانتفاضة المضادّة لم تتمكّن إلّا بعد ستّ سنوات من استعادة السلطة وبالكاد، كما أنّ الحضور السياسيّ للمعارضة "زائد" الربيع العربي ولا سيّما السوريّ جعلاها في موقع القوّة لا الضعف.
ويلفت المصدر نفسه إلى أنّ ما كان مسموحا في العام 2005 نتيجة العوامل المنوّه عنها أعلاه لم يعد كذلك اليوم، لأنّه إذا كان اغتيال رفيق الحريري مفاجئا، كما الانسحاب السوريّ، فإنّ سقوط النظام السوريّ حتميّ والمسألة مسألة توقيت لا أكثر ولا أقلّ، وبالتالي على قوى 14 آذار أن تكون مستعدّة وجاهزة إن في تحديد معالم المرحلة الانتقاليّة، أو في وضع الخطة اللازمة للعبور بالبلد من ضفّة إلى أخرى.
وتساءل المصدر: هل 14 آذار جاهزة لاستلام السلطة؟ ومن هو رئيس الحكومة الانتقاليّة وما هي وظيفتها؟ وهل ستنتظر الاستحقاق النيابيّ في العام 2013 أم تذهب إلى انتخابات مبكرة؟ وهل ستدعو إلى استقالة الحكومة أم السلطة برُمّتها؟ وهل تتّجه إلى تدفيع كلّ من تلتصق صورته بالأسد الثمن، أم ستطوي هذه الصفحة من أجل مصالحة وطنيّة تعيد الجميع إلى لبنان أوّلا والدولة أوّلا، خصوصا أنّ انهيار النظام السوريّ غير قابل للانعكاس، وهو زلزال يفوق بأضعاف زلزال خروج الجيش السوريّ من لبنان؟ وما هو عنوان معركتها لبناء السلطة الجديدة؟ وما هي رؤيتها لإعادة لبنان جزءاً لا يتجزّأ من النظام العربيّ الجديد الذي يرتسم؟
ويضع القياديّ البارز مجموعة عناوين – ملفّات ستكون على طاولة 14 آذار عاجلا أم آجلا:
أوّلا، إتّفاق الطائف وكيفيّة رفعه من اتّفاق الضرورة على ما كان عليه في العام 1989، إلى خشبة الخلاص في العام 2012، خصوصا أنّ هذا الاتّفاق يؤكّد في بنوده على المناصفة والشراكة المسيحيّة – الإسلاميّة والدولة المدنيّة التي تبنّتها الكنيسة في المجمع المارونيّ ورفعتها 14 آذار كعنوان من عناوينها الإصلاحيّة. وهو يصلح لتعميمه نموذجا في العالم العربي، ليس من زاوية المناصفة، إنّما لجهة احترام التنوّع والتعدّد وإعطاء الضمانات للجماعات والحقوق للأفراد.
ثانيا، سلاح حزب الله وكيفيّة التعامل مع الحزب في مرحلة ما بعد الأسد، بمعنى، هل سترضخ 14 آذار لشروطه إفساحا في المجال أمامه من أجل تحقيق مزيد من المكاسب على مستوى السلطة؟ وهل هي في وارد الموافقة على فكرة تسييل سلاحه شرط تعديل الدستور باتّجاه المثالثة؟ وهل تراهن على لبننته مجدّداً، أم أنّ ظروف اللبننة مرتبطة بوصول خياراته الإقليميّة إلى أفق مسدود من سقوط النظام السوريّ إلى دخول إيران في التسوية مع المجتمع الدوليّ أو سقوط النظام الإيراني نتيجة حرب محتملة مع إسرائيل أو الولايات المتّحدة الأميركيّة؟
ثالثا، العلاقات اللبنانية – السورية وكيفيّة مقاربتها بعد العلاقة التاريخيّة المأزومة بين البلدين، والتوجّه هو في إرساء أفضل العلاقات مقابل أوضح صور السيادة والاستقلال.
رابعا، علاقات لبنان مع الخارج باعتماد سياسة خارجيّة تعيد الاعتبار إلى دور الدولة المبادرة وغير التابعة والملحقة، بالارتكاز إلى أولوية المصلحة الوطنية اللبنانية.
خامسا، التوفيق بين "لبنان أوّلا" والانفتاح على المحيط العربي والمجتمع الدولي، لأنّ هذا الشعار اختلف بين مرحلة انتفاضة الاستقلال والربيع العربي وما قبلهما، إذ إنّ هذين الحدثين التاريخيّين المفصليّين أدّيا إلى مصالحة المسيحيّين مع عروبتهم، والمسلمين مع لبنانيتهم، والأهمّ أنّ أولويّة الشعوب العربيّة عادت أولويّة وطنيّة لا قوميّة، أو من دون أن يكون ثمّة تناقض بين القوميّة والوطنيّة.
سادسا، إعادة الاعتبار لمفهوم "الدولة أوّلا"، لا "الطائفة أوّلا" ولا "الحزب أوّلا"، ولا سبيل غير ذلك من أجل إرساء دولة القانون والعدالة والحقّ.
وتأسيساً على ما تقدّم، يقول المصدر القياديّ إنّ اللحظة السياسيّة الراهنة هي اللحظة المواتية من أجل تحديد ورسم معالم المرحلة المقبلة، قبل أن تتسارع الأحداث وتحول دون تمكين 14 آذار من توفير العبور الآمن نحو الدولة الموعودة.